11 سبتمبر.. حروب على الإرهاب والعالم!

الخميس 28 من ربيع الأول 1448 هــ
العدد 51047
كان من المفترض أن تنتهى أحداث 11 سبتمبر بملاحقة من خططوا للهجوم ومعاقبتهم، لكنها تحولت إلى نقطة انطلاق لحروب أعادت رسم الخرائط وأشعلت صراعات امتدت آثارها إلى العالم كله، والمفارقة أن الولايات المتحدة، التى دخلت الحرب لتستعيد أمنها وهيبتها، خرجت بعد ربع قرن بفاتورة هائلة من الدماء والأموال، دون تحقيق كل ما أرادته، بينما خلفت حروبها فراغات سياسية وتنظيمات متطرفة. فبعد 25 عاماً، لم تعد القضية فى الطائرات والأبراج، وإنما فى العالم الذى خرج من تحت أنقاضها؛ فقد فتح ذلك اليوم باباً لعصر من الحروب والتدخلات. كانت الصدمة الأمريكية مفهومة؛ فدولة اعتادت أن ترى محيطها آمناً، اكتشفت أن الخطر يستطيع الوصول إلى قلبها، وكان من الطبيعى أن تطارد واشنطن تنظيم «القاعدة» فى أفغانستان حيث وجد ملاذاً آمناً، لكن الحرب تحولت إلى مشروع أكبر. وهنا وقع الخطأ الإستراتيجى: التعامل مع الإرهاب باعتباره مشكلة يمكن القضاء عليها بإسقاط الأنظمة وتغيير الخرائط، بينما هو نتاج بيئات سياسية واجتماعية هشة لا تصلحها الدبابات، وكان الانتقال إلى العراق لحظة الانقلاب: من ملاحقة من ضربوا برجى أمريكا إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة، إذ لم تملك واشنطن دليلاً قاطعاً على أسلحة الدمار الشامل بالصورة التى قدمتها الإدارة، ومع ذلك ذهبت إلى الحرب، سقط النظام، وتفككت مؤسسات الدولة، واشتعل الصراع الطائفى، ووجد التطرف فى الفراغ بيئة مواتية، فخرج تنظيم «داعش»، وكأن الحرب على الإرهاب صنعت له بيئة جديدة. وهنا المفارقة الكبرى: كلما اتسعت الحرب على الإرهاب، اتسعت خريطته، من أفغانستان والعراق إلى سوريا واليمن وليبيا وغيرها، وتحول من تنظيمات محددة إلى شبكات وفروع وخلايا أكثر انتشاراً. وبعد أن اكتشفت أمريكا أن القوة العسكرية وحدها لا تكفى لإعادة تشكيل الدول، وأنفقَت تريليونات الدولارات وخاضت أطول حروبها بأفغانستان، ثم انسحبت عام 2021 وعادت طالبان إلى كابول. أما العالم العربى فدفع الكلفة الأكبر؛ من حروب وانقسامات وتدخلات خارجية خلقت فراغات تنافست على ملئها قوى إقليمية ودولية وتنظيمات مسلحة. وهكذا بدأت القصة بهجوم على أمريكا، وانتهت بحروب دفعت أمريكا والعالم ثمنها، فإن الجيوش تستطيع إسقاط الأنظمة وقتل القادة، لكنها لا تبنى الدول وحدها، ولا تقتل الأفكار المتطرفة،
