2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

جدار برلين الجديد!

الأثنين 6 من صفر 1448 هــ
العدد 50995
كان استدعاء وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف لجدار برلين، عند حديثه عن احتمال إرسال قوات غربية إلى أوكرانيا، اختيارًا محسوبًا لأحد أكثر الرموز رسوخًا فى الذاكرة الأوروبية؛ فالجدار ليس مجرد بناء إسمنتى سقط قبل عقود، بل تحول إلى رمز لانقسام القارة إلى معسكرين، ولحرب باردة استنزفت الجميع دون مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى. جاء تصريح لافروف خلال منتدى «قراءات بريماكوف» فى موسكو ليحذر من أن نشر قوات غربية داخل أوكرانيا سيؤسس عمليًا لـ«جدار برلين جديد»، فى رسالة تتجاوز كييف إلى العواصم الأوروبية، فموسكو ترى أن أى وجود عسكرى غربى، حتى إذا حمل وصف «قوات حفظ استقرار» أو «ضمانات أمنية»، سيغير طبيعة الصراع ويرفع احتمالات الاحتكاك المباشر بين روسيا والغرب.لا يمكننا هنا فصل تحذير لافروف عن الجدل الأوروبى بشأن إرسال قوات أمنية إلى أوكرانيا داخل ما يُعرف بـ«تحالف الراغبين»، الذى يضم أكثر من ثلاثين دولة داعمة لأوكرانيا، فمن وجهة النظر الروسية، يبدأ التصعيد الحقيقى مع انتقال الدعم الغربى من الإسناد غير المباشر إلى الانتشار العسكرى داخل أوكرانيا؛ ولذلك تؤكد موسكو أنها ستعتبر أى قوات أجنبية أو منشآت عسكرية تدخلًا مباشرًا وستتعامل معها كأهداف عسكرية مشروعة، وهو ما يعكس حجم الحساسية الروسية تجاه أى تغيير فى معادلة الانتشار العسكرى قرب حدودها.

ويتقاطع خطاب لافروف مع تصريحات الرئيس بوتين، الذى يكرر استعداد بلاده لاستئناف محادثات السلام، مع التمسك بشروط تشمل حياد أوكرانيا، ووقف مسار انضمامها إلى حلف شمال الأطلسى (الناتو)، والتعامل مع الوقائع الميدانية الجديدة، وبينما تعتبر موسكو هذه المطالب ضمانات لأمنها القومى، ترى كييف والدول الغربية أنها تمس سيادة أوكرانيا وتفرض نتائج الحرب سياسيًا. لكن اللافت فى التصريح أن لافروف يخاطب الوجدان الأوروبى أكثر من المؤسسة العسكرية؛ فاستحضار جدار برلين يستدعى مرحلة دفعت فيها أوروبا أثمانًا سياسية وأمنية باهظة، ويحذر من قيام خطوط فصل جديدة تصنعها القواعد العسكرية والتحالفات.

هكذا، لم يعد الصراع يدور حول السيطرة على الأراضى وحدها، بل حول شكل النظام الأمنى الأوروبى بعد الحرب، فبينما تسعى الدول الغربية إلى توفير ضمانات أمنية لكييف، ترى موسكو أن هذه الضمانات قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر، ومن ثم، تعكس عبارة «جدار برلين الجديد» عمق أزمة الثقة بين روسيا والغرب، واحتمال عودة الانقسام الأوروبى فى صورة سياسية وعسكرية أكثر تعقيدًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى