مودى يعرف أكثر!

الأثنين 2 من ربيع الثاني 1448 هــ
العدد 51051
ربما كان ناريندرا مودى يعرف شيئًا مغايرًا عن فلسفة الحروب: إن امتلاك القوة لا يعنى امتلاك لحظة النهاية؛ ففى الوقت الذى يتحدث فيه ترامب عن أن الحرب مع إيران ستنتهى «قريبًا جدًا»، ويؤكد انتصار الولايات المتحدة ومنع طهران من امتلاك سلاح نووى، كان مودى يتحدث فى قمة البريكس الـ18 من زاوية أخرى: كيف نمنع الحروب؟ وكيف يصبح الحوار والتشاور والدبلوماسية سبيلاً لمعالجة الأزمات وتعزيز الاستقرار؟ وهذه ليست مفارقة فى التوقيت، بل اختلاف فى منطق القوة؛ فترامب يرى نهاية الحرب من موقع القوة والسيطرة على مضيق هرمز، بينما يضع مودى الحرب داخل مشهد أوسع عنوانه إصلاح قواعد النظام الدولى، ومنع النزاعات ومعالجة أسبابها الجذرية. ولهذا لم يكن غريبًا أن يؤكد «إعلان نيودلهى» الالتزام بتسوية النزاعات سلميًا، ويحذر من مخاطر التهديد النووى، ويدعو إلى حماية المدنيين والبنية التحتية والمنشآت النووية حتى أثناء النزاعات المسلحة. لكن مودى لم يكتفِ بالكلام عن السلام، فهو يقترح آلية لاستمرار مبادرات بريكس بين الرئاسات، ومستودعًا رقميًا يحدد مسئولية كل مبادرة وجدولها الزمنى، كما يطالب بخريطة طريق لإصلاح الحوكمة العالمية تقوم على التمثيل وسرعة الاستجابة ووضع القواعد، مع جداول زمنية لإصلاح مجلس الأمن. إذ يريد مودى تحويل السياسة الدولية من رد الفعل إلى إدارة الأزمات، حتى شبكة دعم البحارة تحمل المعنى نفسه؛ فالحرب فى إيران لم تعد شأنًا إيرانيًا أو أمريكيًا، بل امتدت تداعياتها إلى العالم كله، لذلك يقول إعلان بريكس إن أمن الطاقة وانسياب التجارة جزء من أمن العالم. هنا يبدو الفرق أوضح: ترامب يعلن متى تنتهى الحرب؟ ومودى يسأل: ماذا يحدث إذا انتهت من دون معالجة أسبابها؟ قد يكون ترامب قادرًا على فرض لحظة توقف للنيران، لكن التاريخ يقول إن وقف إطلاق النار ليس دائمًا نهاية لما خلفته الحروب، أما مودى، فيبدو منشغلاً بما هو أبعد من لحظة الانتصار. لهذا، فإن عنوان القمة ليس تفصيلاً عابرًا: «بناء الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة»؛ ففى عالم يدفع ثمن كل حرب، يكون الأذكى ليس من يعرف كيف يبدأها أو ينهيها، وإنما من يعرف كيف يمنعها وكيف يمنع عودتها.. ومودى، فى هذه النقطة، يعرف أكثر.
