التصعيد المنضبط ولعبة المخاطر

الثلاثاء 29 من محرم 1448 هــ
العدد 50989
ليست المشكلة اليوم أن الولايات المتحدة وإيران تقتربان من حرب شاملة، بل إنهما أصبحتا تقتربان من منطقة أكثر تعقيدًا، حيث يصبح السلام الكامل مستبعدًا، والحرب الكاملة غير مرغوبة. هذه هى مرحلة «التصعيد المنضبط»، التى يختبر فيها كل طرف قدرة الآخر على الاحتمال، ويحاول تعديل موازين الردع من دون تجاوز الخط الذى يفرض مواجهة مفتوحة. التطورات الأخيرة فى الخليج تؤكد أن قواعد الاشتباك لم تعد كما كانت؛ فاستمرار استهداف الملاحة وناقلات النفط، والضغوط المتبادلة فى الممرات البحرية، لا يعبر فقط عن توتر أمنى، وإنما يكشف عن محاولة لإعادة رسم معادلات القوة، حيث أصبحت الرسائل العسكرية جزءًا من عملية تفاوض غير معلنة، تُستخدم فيها أدوات الردع إلى جانب القنوات الدبلوماسية. وتبدو إيران مقتنعة بأن الضغوط المتراكمة خلال السنوات الماضية منحتها فرصة لفرض واقع مختلف، فهى تدرك أن مضيق هرمز أصبح ورقة استراتيجية تمنحها قدرة على التأثير فى أمن الطاقة العالمى، ولذلك تسعى إلى توظيف الضغط البحرى لإجبار خصومها على التعامل مع الوقائع الجديدة. فى المقابل، لا تستطيع واشنطن تجاهل أى تهديد لحرية الملاحة؛ لأن الأمر يتجاوز أمن الخليج إلى مصداقية الدور الأمريكى، لكنها تدرك أيضًا أن أى رد واسع قد يفتح أبواب مواجهة يصعب التحكم فى مسارها، خصوصًا بعد التجارب المكلفة فى الشرق الأوسط.
وسط هذه المعادلة، تجد دول الخليج نفسها فى موقع حرج، فهى تتحمل المخاطر المباشرة لأى اضطراب فى أمن الملاحة، وتحاول فى الوقت نفسه الحفاظ على دور الوسيط، لكن استمرار الضغوط الأمنية رغم جهود الوساطة يعكس حجم الفجوة فى الثقة، ويشير إلى أن كل طرف يعتقد أنه قادر على تحسين موقعه التفاوضى عبر التصعيد المحدود. ومن الناحية الاقتصادية، تتجاوز تداعيات المواجهة حدود الخليج، إذ ينعكس أى اضطراب فى الممرات البحرية على أسواق النفط وتكاليف نقله، بما يجعل الأزمة تمس استقرار الاقتصاد العالمى ككل. لكن أخطر ما فى المشهد أن هذا التصعيد المنضبط لا يملك ضمانات للاستمرار؛ فكل طرف يعتقد أنه يتحكم فى مستوى المخاطر، بينما قد يحول خطأ واحد فى التقدير إلى مواجهة يصعب احتواؤها. لذلك، لم يعد السؤال ما إذا كانت واشنطن أو طهران تريدان الحرب، بل ما إذا كانتا قادرتين على منعها إذا خرجت الأحداث عن السيطرة، بينما يبقى الفارق بين الردع والمواجهة مجرد خطأ فى الحسابات.
