زيارة لمصر.. لقاء حضارتين

الثلاثاء 19 من ربيع الأول 1448 هــ
العدد 51038
رئيس يعرف قدر التاريخ والحضارات القديمة والحديثة، هو «شى جينبينج» الرئيس الصينى، الذى يجرى زيارة إلى مصر يلتقى خلالها رئيسها عبدالفتاح السيسى، صانع هذه العلاقة المتميزة التى امتدت وتعمقت على مدى 10 سنوات. خصص الرئيس الصينى الزيارة فور انتهاء قمة منظمة “شنغهاى للتعاون”، وما أدراك ما قمة شنغهاى؟ فهى المنظمة التى فتحت باب الحضارة الصينية الثانية المعاصرة، وانطلقت فى قلب أوراسيا، وآخر محطاتها بيشكيك عاصمة قيرغيزستان. إن القمم الأكثر دلالة فى السياسة الدولية هى التى تجد فيها الدول مساحة للتعاون رغم الخلاف، ومن هنا جاءت قمة شنغهاى ليعاد فيها ترتيب موازين القوة من أوراسيا حتى بوابة إفريقيا فى مواجهة النفوذ الغربى، ولتبحث فيها الدول عن مساحات أكبر للحركة والشراكة. شهدت القمة حضوراً لافتاً؛ حيث جمعت بينج بالرئيس الروسى بوتين، والإيرانى بيزشكيان وسط مشهد مأزوم، إلى جانب رئيس الوزراء الهندى مودى الذى يواصل تحويل بلاده إلى قوة كبرى، والباكستانى شهباز شريف الذى تخوض بلاده أدوارا فى الوساطة بين أمريكا وإيران، فضلا عن قادة آسيا الوسطى. كان الشكل العالمى للقمة يتجاوز جدول أعمال المنظمة، ولفهم المشهد، ينبغى إدراك أن المجموعة بدأت لمواجهة الإرهاب وتعزيز الثقة، ولم تبن على تطابق المواقف، بل على إدراك لأهمية وجود منصة تجمع مصالحهم.إنها شراكة استراتيجية، يحتفظ فيها كل طرف بعلاقاته ونفوذه، ويتعامل بعلاقات وثيقة رغم الخلاف؛ فالدول الأعضاء تحافظ على علاقات متينة مع روسيا والولايات المتحدة، بينما تسعى إيران لتوسيع علاقاتها الآسيوية. من هذه القمة، اتجه «بينج» إلى القاهرة، فمصر والصين بلدان يمتلكان حضارات قديمة، ويتطلعان لترسيخ مكانتهما فى عالم يعيد صياغة قوته، ومصر تفهم الصين وتقرأ تحركاتها منذ 70 عاما. مصر لا تقايض علاقاتها بالقوى الكبرى، فهى تحافظ على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة والصين، وكذا مع روسيا وأوروبا، تشترى وتصدر للجميع، وعلى الذين لا يدركون هذه التوازنات أن يمتنعوا عن تقييم البلدين. إنها قمة تقرأ مستقبل العالم فى لحظة يعاد فيها رسم خريطة القوة العالمية وتتموقع مصر فى قلبها، وتلك هى القراءة التى تدركها واشنطن وأوروبا، مثلما تدركها بكين وموسكو. مصر تسير فى الطريق لبناء حضارة جديدة، متحولة بموقعها إلى دور فاعل، ومنه للشراكة، ومن الشراكة إلى القوة.
