2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

فتح واستحقاقات البقاء

الثلاثاء 23 من ذي الحجة 1447 هــ
العدد 50954
بعد أسابيع من انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح فى مايو الماضى، وفى وقت تجتمع فيه الفصائل الفلسطينية بالقاهرة، تتجدد الأسئلة حول قدرة الحركة على الحفاظ على دورها التاريخى وموقعها القيادى، فالتحديات لم تعد تقتصر على ضغوط الاحتلال وتراجع فرص التسوية، بل تمتد إلى مستقبل النظام السياسى الفلسطينى نفسه، وبقدرة القوى الوطنية على إنتاج رؤية موحدة للمرحلة المقبلة. وبينما احتفت قيادات الحركة بنتائج المؤتمر كتجديد للشرعية وضخ لدماء جديدة، بدا واضحاً أن التغيير اقتصر فى معظمه على إعادة إنتاج الوجوه داخل الإطار التنظيمى نفسه، دون أن ينعكس ذلك على طبيعة التحديات التى تواجه الحركة أو على قدرتها على استعادة المبادرة السياسية والشعبية. منذ انطلاقها، ارتبطت «فتح» بفكرة التمثيل الوطنى الجامع، واستطاعت بعد عام 1967 أن تتحول إلى المظلة الأوسع للفلسطينيين، مستفيدة من الالتفاف العربى حولها، خاصة مصر، حيث وصفها الرئيس عبدالناصر بأنها «وُلدت لتبقى»، وخلال سنوات طويلة، نجحت فى أن تكون العمود الفقرى للمشروع الوطنى من خلال قيادة المؤسسات الفلسطينية الرسمية. إلا أن الحركة فى مسارها واجهت اختبارات بالغة القسوة، خاصة بعد اتفاق أوسلو الذى لم يمنح الفلسطينيين سيادة حقيقية؛ ورغم أن الاتفاقية هدفت إلى الوصول لحل سلمى شامل، إلا أن المسار تعثر بعدها بسبب توسع الاستيطان، والعنف المتبادل، وفشل محادثات الوضع النهائى، مما أدى إلى تجميد فعلى للعديد من بنودها. ومع انهيار مسار التسوية وصعود حكومات إسرائيلية متطرفة، تراجعت قدرة «فتح» على تقديم إنجاز ملموس، بينما تصاعدت حالة الإحباط الداخلى والانقسام السياسى. ومن هنا يمكن فهم أهمية المؤتمر الثامن، باعتباره محاولة للحفاظ على تماسك الحركة ومنع انتقال الخلافات الداخلية إلى مرحلة تهدد بنية النظام الفلسطينى نفسه، فالتحدى الحقيقى أمام «فتح» لم يعد مجرد اختيار قيادات جديدة، وإنما إعادة تعريف دورها فى ظل حرب مفتوحة وسياسة استيطانية مستعصية، واتساع الفجوة بين الشارع الفلسطينى والنخب السياسية. ختاماً، فإن استقرار «فتح» يمثل جزءاً أساسياً من استقرار القضية الفلسطينية ذاتها، وأى فراغ داخلها أو داخل مؤسسات السلطة سيؤدى إلى مزيد من الفوضى والانقسام، وهو ما يفتح المجال أمام سيناريوهات تهدد الوحدة الفلسطينية وتضعف فرص إقامة الدولة. لذلك تبدو الحاجة ملحة أمام «فتح» للانتقال من إدارة الأزمة إلى إنتاج مشروع وطنى يستعيد ثقة الفلسطينيين، ويحافظ على الهوية الوطنية فى مواجهة محاولات التصفية والتفكيك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى