الحسابات الأمريكية وتحفظات العالم الإسلامى

الخميس 18 من ذي الحجة 1447 هــ
العدد 50949
أعادت دعوة الرئيس الأمريكى ترامب لعدد من الدول الإسلامية، وفى مقدمتها المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا، للانضمام إلى اتفاقيات إبراهام، فتح باب النقاش مجددا حول مستقبل الترتيبات السياسية فى الشرق الأوسط وحدود قدرة واشنطن على إملاء شروطها لتشكيل خريطة تحالفاتها الإقليمية.
وتتجاوز أهمية هذه الدول مجرد إضافة أسماء جديدة إلى الاتفاقيات؛ فالولايات المتحدة تدرك أن المملكة العربية السعودية تمثل ثقلا سياسيا ودينيا واقتصاديا استثنائيا فى العالمين العربى والإسلامى، وأن انضمامها من شأنه منح الاتفاقيات زخما ورمزية يصعب تحقيقهما من دونها، كما تنظر واشنطن إلى باكستان، باعتبارها أكبر دولة إسلامية، وصاحبة تأثير واسع على قضايا العالم الإسلامى، فضلاً عن دورها المتنامى فى الوساطة الإقليمية، أما تركيا، فتمثل قوة إقليمية كبرى وعضوا مهما فى حلف الناتو، ويمنح انخراطها أى ترتيبات جديدة ثقلاً إضافيا.
ومن الواضح أن إدارة ترامب تسعى إلى توظيف هذه الاتفاقيات ضمن رؤية أوسع لإعادة ترتيب المنطقة بعد سنوات من الصراعات، وربطها بمحاولات احتواء التوتر مع إيران وصياغة توازنات إقليمية جديدة أكثر توافقا مع الأهواء الأمريكية. غير أن هذه الرؤية تصطدم بجملة من الحقائق؛ فباكستان أعلنت رفضها الرسمى هذه الدعوة، مؤكدة أن موقفها يرتبط بحقوق الشعب الفلسطينى وإقامة دولته المستقلة، كما أن قطاعات واسعة من المجتمع الباكستانى، بما فيها الأحزاب الدينية والقوى السياسية الرئيسية، تنظر إلى أى خطوة فى هذا الاتجاه باعتبارها خروجاً على ثوابت راسخة فى السياسة الباكستانية.
أما المملكة العربية السعودية، فقد أكدت فى أكثر من مناسبة أن أى تقدم فى هذا الملف يظل مرتبطا بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وينطلق هذا الموقف من إدراك أن السلام الدائم لايمكن أن يتحقق بتجاوز جوهر القضية الفلسطينية، وفى تركيا أيضا، فإن الموقف الرسمى يواصل تأكيد مركزية الحقوق الفلسطينية، وضرورة التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة. لذلك تبدو دعوات ترامب أقرب إلى محاولة لإعادة هندسة المشهد الإقليمى وفق الرؤية الأمريكية، لكنها تصطدم بحقيقة أن القضية الفلسطينية مازالت تمثل معيارا أساسيا فى حسابات كثير من الدول الإسلامية؛ فاستقرار المنطقة لن يتحقق بمجرد إعادة ترتيب العلاقات السياسية، بل عبر معالجة جذور الصراع، وتمكين الشعب الفلسطينى من حقوقه المشروعة وفق قرارات الشرعية الدولية، وعند هذه النقطة تحديدا تلتقى المواقف العربية والإسلامية على أن السلام العادل يظل الطريق الأكثر أمناً واستدامة لمستقبل المنطقة.
