قمة العلمين وأوضاع إثيوبيا

الأثنين 23 من ربيع الثاني 1448 هــ
العدد 51072
كانت المفارقة اللافتة أن تصبح العلمين عاصمة إفريقية فى وقت تتصاعد فيه أحداث التوتر فى القرن الإفريقى؛ إذ احتضنت منتدى “العلمين -أفريقيا للأعمال” بمشاركة 1500 مستثمر خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر، لتؤكد للعالم أن قارتنا تملك موارد ضخمة وفرصا استثمارية واعدة، وأن الأفارقة قادرون على تحويل خطط التنمية إلى مشروعات ملموسة، ولجم الصراعات، وتعزيز التكامل والتجارة البينية. فرسائل القمة الاقتصادية تفتح آفاقا جديدة للربط الكهربائى والتكامل الإقليمى، حيث أضحت القاهرة محورا لوصل الأسواق ورءوس الأموال والتناغم بين الشركات، كما أن التنسيق والتشاور المستمر بين مصر والسودان وإريتريا والصومال لا يعنى مطلقاً التدخل فى الشئون الداخلية لإثيوبيا، بل يعكس حرصا إقليميا على حماية أمن حوض النيل والبحر الأحمر؛ فمصر تدرك تماما أن الاستقرار الإقليمى لا يتحقق بنقل الصراعات الداخلية إلى دول الجوار، بل بالدبلوماسية والحوار الحكيم. إن تفاقم الأزمات الداخلية فى إثيوبيا، بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تيجراى شمالاً، واشتعال المواجهات مع حركة “فانو” الأمهرية، يهدد دولة يربو عدد سكانها على 130 مليون نسمة بحرب شاملة، هذا المأزق لا يستدعى من حكومة آبى أحمد توسيع شقة الخلاف مع الأشقاء، أو تحميلهم تبعات الأخطاء المركزية وتصدير الأزمات للخارج؛ فنحن فى عصر حقوق الإنسان والديمقراطيات، ولسنا فى زمن الإمبراطوريات، وأى محاولات لفرض الهيمنة وتغذية الاستقطاب العرقى لن تجلب الاستقرار لدولة تتألف من أكثر من 80 مجموعة عرقية ولغوية. كما أن انخراط إثيوبيا فى صراعات تتجاوز طاقتها، بتغذية من أطراف خارجية مستفيدة، هو أمر محفوف بالمخاطر، والحل الوحيد يكمن فى الركون إلى الحكمة، والجلوس إلى طاولة حوار وطنى شامل يستجيب لحقوق جميع القوميات وينقذ أواصر الدولة من التفتت. إن أزمة إثيوبيا لم تأتِ من الخارج، بل تداعت من الداخل حين اغترت بجغرافيتها وتجاهلت تاريخها، وهو المنظور نفسه الذى أدارت به خلافاتها مع دول حوض النيل، وإصلاح السياسة الداخلية هو المدخل الطبيعى لضبط السلوك الإقليمى. ونحن فى مصر نؤكد محبتنا للشعب الإثيوبى الشقيق؛ فمياه النيل تكفى كل أبنائه، ولكن أخطاء السياسة ولغة الهيمنة الباطشة التى عفا عليها الزمن هى التى أوجدت وأججت الصراعات الداخلية والإقليمية، والخلافات حول مياه النيل.. وقانا الله سوء العقل وسوء السياسات.
