لماذا جنيف؟

الأثنين 29 من ذي الحجة 1447 هــ
العدد 50960
إذا كان اتفاق إسلام آباد يمثل لحظة تحول فى العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما تم الاتفاق عليه، بل أيضا بالمكان الذى اختير للإعلان عنه، فالدول الكبرى تدرك أن الجغرافيا السياسية ليست مجرد خلفية للأحداث، بل جزء من الرسالة ذاتها. ومن هنا يبدو اختيار جنيف أكثر أهمية مما يبدو للوهلة الأولى. ظاهريا، يمكن تفسير القرار باعتبارات عملية تتعلق بحياد سويسرا وقربها من قمة مجموعة السبع، لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن اختيار جنيف يعكس رغبة أمريكية فى إعادة تعريف الاتفاق نفسه، فلو جرى التوقيع فى باكستان، لظهر الاتفاق، باعتباره ثمرة وساطة إقليمية نجحت فى جمع الخصمين، ولو تم فى عمان، لاعتبر امتدادا للدبلوماسية الشرق أوسطية التقليدية التى أدارت قنوات الحوار بين واشنطن وطهران لعقود، أما جنيف فتنقل الاتفاق من مستوى التفاهم الإقليمى إلى مستوى التسوية الدولية. فى هذا المعنى، تصبح جنيف مدينة محايدة، ومنصة تمنح الاتفاق شرعية تتجاوز طرفيه، فالولايات المتحدة لا تريد أن يبدو الأمر وكأنه صفقة ثنائية فرضتها موازين القوة، وإيران لا تريد أن تظهر بمظهر الطرف الذى عاد إلى الطاولة تحت الضغط، لذلك توفر جنيف مساحة رمزية تسمح للطرفين بالانتقال من منطق الصراع إلى منطق التسوية دون خسائر أمام جمهوريهما الداخليين. لكن الرسالة الأهم قد تكون موجهة إلى الإقليم نفسه، فاختيار مدينة أوروبية رغم الدور الكبير الذى لعبته دول أخرى يوحى بأن القوى الكبرى مازالت تحتفظ بحق إدارة المشهد النهائى، فالوسطاء يمكنهم فتح الأبواب، لكن لحظة التتويج تبقى داخل الإطار الدولى. ومن هذا المنظور، يمكن فهم بعض التفسيرات التى تربط استبعاد العواصم العربية وإقليمية برسائل سياسية أوسع تتعلق بشكل النظام الذى تسعى واشنطن إلى بنائه، ليس بالضرورة أن يكون الأمر عقابا لدول لم تنضم إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، لكن من الصعب تجاهل أن نقل التوقيع إلى جنيف يسحب الحدث ويضعه تحت مظلة غربية ودولية واضحة. لهذا فإن اختيار جنيف قد يكشف حقيقة أعمق من الاتفاق نفسه: فالمطلوب ليس فقط إنهاء مواجهة بين أمريكا وإيران، بل إدخال هذه التسوية إلى نظام دولى جديد تكون شرعيته مستمدة من المؤسسات الدولية والقوى الكبرى أكثر مما هى مستمدة من توازنات الإقليم، وفى السياسة، كثيرا ما يخبرنا مكان التوقيع عن طبيعة المستقبل أكثر مما تخبرنا بنود الاتفاق.
