2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

ترامب وشى.. وإدارة الخصومة

الثلاثاء 17 من ربيع الثاني 1448 هــ
العدد 51066
بدا لقاء ترامب وشى أقرب إلى المصالحة، لكنه بالأحرى يمثل اختبارا لقدرة قوتين عظميين على إدارة خصومة دون مواجهة مفتوحة، فبين الاستقبال الدافئ ولغة الحوار الإيجابية، وتمديد الهدنة التجارية حتى 10 يناير 2027، لم تُحسم الملفات الأصعب: الذكاء الاصطناعى، تايوان، وإيران. هذه ليست المرة الأولى التى تدرك فيها واشنطن وبكين أن الحوار مع الخصم ضرورة؛ ففى عام 1972 ذهب نيكسون إلى بكين، وصدر “بيان شنغهاى” الذى فتح طريق التطبيع عام 1979، بتفاهم لإدارة خلافات لا يمكن إلغاؤها، وفى مقدمتها تايوان. اليوم يعود المنطق ذاته؛ فالقوتان لا تنهيان المنافسة، بل تضعان لها سقفا، وتمديد الهدنة لشهرين لا ينهى حرب الرسوم، بل يشترى وقتا للتفاوض حول التجارة والاستثمار والمعادن والحواجز غير الجمركية، وسط قيود تكنولوجية وتجارية متبادلة. لكن الاختبار الأهم هو الذكاء الاصطناعى، بعدما تحولت الرقائق والمعادن إلى أدوات نفوذ، وتريد واشنطن الحفاظ على تفوقها التكنولوجى، بينما تمتلك الصين قدرات واسعة فى التصنيع، مما يجعل إدارتها ضرورية لمنع سباق التكنولوجيا من إنتاج أزمات أمنية. أما بالنسبة للمنطقة العربية، فالسؤال: ماذا يعنى هذا التفاهم عندما ينتقل الاختبار الميدانى إلى إيران؟ فواشنطن تسعى لحث بكين على استخدام نفوذها لدى طهران لإنهاء الحرب، وإعادة فتح هرمز، بينما تتمسك الصين بعلاقاتها التجارية مع إيران وترفض عزلها اقتصادياً، دون اختراق واضح للتباين. هذا الوضع يضع الخليج وممرات الطاقة أمام معادلة حساسة: فالصين تعتمد على استقرار الطاقة، والولايات المتحدة معنية بأمن الملاحة، بينما تملك بكين قنوات تأثير على طهران لا تمتلكها واشنطن، ليصبح الشرق الأوسط ميداناً لاختبار تعاونهما. وتبقى تايوان السقف الأصعب؛ فالصين تشترط عدم دعم واشنطن لاستقلال الجزيرة، والعلاقة الأمريكية معها جزء من حسابات الردع فى آسيا، ولذلك، لا تلغى الهدنة جوهر الصراع، بل تفصله مؤقتاً عن أخطر نقاطه. من هنا، فإن قمة واشنطن ليست صلحاً نهائياً أو تحالفا جديداً، وإنما محاولة للتعايش بين قوتين تعرفان كلفة انفلات المنافسة الدولية. والمنطقة العربية مطالبة بفهم هذه المعادلة، فمستقبلها سيتأثر بتنافسهما فى إيران، وهرمز، والطاقة والأمن والتكنولوجيا. لذا، فهدنة يناير ليست موعداً للسلام، بل محطة لاختبار إدارة خصومة لا يمكن إنهاؤها.. ولا يُطيق العالم انفلاتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى