رحلة الشرق الأقصى

السبت 28 من ربيع الثاني 1448 هــ
العدد 51077
هكذا تُبنى العلاقات الاستراتيجية بأدب، ومتابعة وفهم عميق للعالم، فما كادت تنتهى قمم إفريقيا فى العلمين – التى كان جوهرها محاصرة الحرب المشتعلة فى إثيوبيا وامتدادها إلى إريتريا والصومال وحوض النيل – حتى كانت المفاجأة برحلة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى الشرق الأقصى، وهى بلدان تجمعنا بها علاقات وثيقة. وإذا بدأنا بالعاصمة الكورية «سول»، فهى من التجارب العالمية الملهمة، وقد دأبت الدبلوماسية الرئاسية على صنع شراكات إنتاجية مع الشركات العالمية وجذبها إلى مصر، وبناء تحالفات عريضة، وقد أصبحت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نقطة جذب تسعى كبرى الشركات الصناعية لإقامة مناطق لها فيها؛ إذ تحولت إلى مركز لوجستى للإنتاج والتصدير، ولم تعد مجرد ممر للتجارة بل مرتكزاً للصناعات الموجهة للسوقين المصرى والعالمى.
أما ماليزيا وإندونيسيا، فجذبهما إلى المنطقة يمثل خطوة سياسية واقتصادية غير مسبوقة؛ فهما بلدان إسلاميان كبيران، وتدعيم العلاقات معهما يدعم استقرار منطقتنا التى تعانى من الحروب والاستقطابات، ليصبح الهدف هو البناء والتعمير. إن هذه الرحلة جددت رؤية استشرافية اتسمت بتوسع التعاون ومراعاة المصالح المشتركة – من الاستثمار والتكنولوجيا إلى الشراكة الاستراتيجية – فمصر تبرهن أنها تعرف خريطة العالم وتغير التحالفات وتوظفها لمصلحة قضايانا، وتلتقى خبرة كوريا المتقدمة مع إمكانات مصر ورؤية ماليزيا وإندونيسيا فى الموارد والموقع والبنية الأساسية.
ولعلنا نتوقف أمام تعبير الرئيس الكورى الملهم عن «معجزة نهر الهان» ولقائه مع «نهر النيل»؛ إذ لم يكن عبارة دبلوماسية فحسب، بل وصفاً دقيقاً لتجربتين نشأتا حول نهرين وشكلتا بداية الحضارة، فبينما تملك كوريا التكنولوجيا المتقدمة، تمتلك مصر موقعاً استثنائياً وسوقاً واسعاً وقناة السويس وامتدادات عربية وإفريقية وأوروبية، مما يجعل الصناعة فى قلب هذه التحركات.
إن مصر بتحركها حول العالم تجعل من أرضها موطناً لصناعات العالم، وتخلق قاعدة إنتاجية تزيد من مكانتها ونفوذها الإقليمى والدولى، وهذا الحضور يتجسد فى مصانع وتدريب وتعليم يغير البيئة الاقتصادية، وسوف نتذكر هذه التحركات السياسية باعتبارها بنية أساسية تعادل وتوازى ما تبنيه مصر يومياً فى الطاقة والمشروعات القومية؛ إنها تكامل الدولة التى تبنى قوتها ونظامها السياسى والاقتصادى بشكل ورشيد.
