2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

السينما فى معركة الحقيقة

الأربعاء 4 من ربيع الثاني 1448 هــ
العدد 51053
بين فينيسيا وتورونتو، تكشف السينما عن أهم أدوات القوة المؤثرة: القدرة على رواية ما يحدث، وتحديد الصورة التى تصل إلى الناس، ومن هنا يكتسب فيلم «حبر» للمخرج دانى بويل، دلالته، إذ يستعيد صعود روبرت مردوخ، واستحواذه عام 1969 على صحيفة «ذى صن» وجعلها من أشهر صحف «التابلويد» البريطانية.

ومن قوة الصحافة إلى قوة السينما، نطرح سؤالا: ماذا يحدث حين تصبح الدراما شريكًا فى رواية الحكاية؟ فالسينما لا تنافس الخبر فى السرعة، لكنها تنفذ إلى ما وراء العنوان، حيث الإنسان خلف الأرقام. وهذا ما تفعله أفلام الدورة الـ51 من مهرجان تورونتو، القادمة من غزة وبيروت والقاهرة، ومن أصوات عربية فى المهجر، لتضع الإنسان فى قلب الحكاية، لا على هامشها.

ففى فيلم «ثلاثة عشر فى غزة» لحسام أبو دان، تفقد فتاة فى الثالثة عشرة منزلها ومعظم عائلتها، وتحاول مع والدها مواصلة الحياة فى مخيم للنازحين، وفى فيلم «حوار مع البحر» لمؤيد عليان، يبحث أب فلسطينى عن ابنه الذى يعتقد أنه توفى قبل عشرين عامًا، أما فيلم «الغاضبات» لرامى قديح، فيضع أزمة أموال المودعين فى لبنان داخل حكاية شقيقتين، تصبح فيها الأزمة الاقتصادية مسألة حياة أو موت. ويستعيد وثائقى «إدوارد سعيد: بين عالمين» سيرة المفكر الفلسطينى الأمريكى وأفكاره حول الهوية والمنفى، بينما تعود القاهرة إلى ستينيات القرن الماضى فى فيلم «اليوم الذى دخنت فيه سيجارة مع أبى» لسامح علاء وروبن فوترز، عبر علاقة أب وابنه عقب الإفراج عنه من السجن.

ما يجمع هذه الأفلام ليس القضية الواحدة، وإنما زاوية النظر؛ فالإعلام يخبرنا بالضحايا والخسائر، لكن السينما تسأل: ماذا يعنى أن تفقد طفلة بيتها؟ وأن ينتظر أب ابنه الغائب عشرين عامًا؟ نعم، يمكن للسينما العربية أن تحمل قضاياها إلى المهرجانات الدولية، وتحفظ ذاكرة الحروب والهجرة، وتمنح القضايا العربية وجوهًا لا تُختزل في بيانات، ومن تجربة «مردوخ» إلى الأفلام، تتصل الحقيقتان: المعركة ليست فقط حول ما يحدث، وإنما حول من يملك زمام الرواية، وحين تنجح السينما فى أن تجعلنا نرى الإنسان قبل العنوان، تصبح قوة قادرة على منح الحقيقة وجهًا لا يمكن تجاهله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى