2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

موسيقى «المصريين».. نتاج محفوظ وشنودة

الخميس 9 من صفر 1448 هــ
العدد 50998
برحيل الموسيقار هانى شنودة يُطوى فصلٌ مهمٌّ من تاريخ تطور الأغنية المصرية؛ فقد كان واحدًا من القلائل الذين امتلكوا القدرة على التجديد دون قطيعة مع الجذور، ففتح للموسيقى المصرية آفاقًا جديدة، بينما ظل محتفظًا بروحها التى عرفها الجمهور عبر عقود. كان شنودة ينظر إلى الفن، باعتباره رسالةً تجمع الناس ولا تفرقهم، مؤمنًا بأن الفنان ينبغى ألا ينحاز إلا للجمال، وكانت تلك البساطة وجهًا آخر لشخصية صنعت تأثيرها بالعمل الهادئ أكثر من الضجيج. وفى طفولته بمدينة طنطا، تشكلت أذنه الموسيقية بين صوت البيانو بالمنزل، والإنشاد الدينى فى الموالد، وحلقات الذكر، والموشحات، والألحان الشعبية؛ لم يكن يرى تناقضًا بين هذه العوالم المتنوعة، بل اعتبرها روافد صنعت حسه الفنى، ولعل هذا التنوع المبكر هو ما منح موسيقاه خصوصيتها؛ فلم يكن أسير مدرسة واحدة، بل صنع لغته الخاصة وجعل موسيقاه قادرةً على استيعاب الحداثة دون أن تتخلى عن الهوية المصرية. ورغم رغبة عائلته فى أن يسلك طريق الصيدلة، اختار الموسيقى، مؤمنًا بأن الإنسان ينجح حين يسير فى الدرب الذى يشبهه، ومنذ خطواته الأولى، كان يعمل ويدرس فى الوقت نفسه، حتى تبلورت رؤيته التى غيّرت لاحقا شكل الأغنية الحديثة. وقد شهدت مسيرته محطةً مفصلية حين التقى بالكاتب الكبير نجيب محفوظ فى حوار صحفى، حيث قدم له محفوظ نصيحة غالية أثرت فيه بل عاشت معه، إذ قال له: “قدم موسيقاك الخاصة ولا تخف”، ومن رحم هذه النصيحة ولدت فرقة “المصريين”، التى لم تكن فرقة غنائية فحسب، بل مشروعًا فنيًا متكاملاً فتح الباب أمام مواهب عديدة، وترك بصمةً لا تزال حية، وقدم المواهب وتغنى به أهل مصر. ورغم المكانة الرفيعة التى بلغها، ظل هانى شنودة يعتبر أن أعظم تكريم ناله لم يكن جائزةً أو وسامًا، بل رسالة كتبها مستمع مجهول يشكره فيها ويطالبه بأن يستمر؛ فقد كان يدرك أن محبة الناس هى الجائزة الحقيقية التى تبقى عندما يخفت التصفيق. اليوم يغيب الجسد، لكن الموسيقى التى تركها ستظل شاهدةً على فنان لم يكتفِ بصناعة الألحان، بل أسهم فى تشكيل وجدان أجيال كاملة، وسيبقى اسم هانى شنودة مرتبطًا بكل محاولة صادقة لإثبات أن التجديد الحقيقى لا يهدم التراث، بل يمنحه حياةً جديدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى