سقطة ترامب فى تهديد عُمان

الأثنين 15 من ذي الحجة 1447 هــ
العدد 50946
لم يأخذ أحد، بما فى ذلك الأمريكيون أنفسهم، تصريحات ترامب ضد عُمان على محمل الجدية، رغم ما أثارته من جدل واسع؛ لأن عُمان واحدة من أكثر دول العالم، وليس الخليج فحسب، التى حافظت على علاقات وثيقة مع الجميع وتتفهم مواقفهم، وتبقى قنوات اتصالاتها مفتوحة على كل الجبهات، ولأن عُمان لم تكن يوماً خصماً مباشراً للأمريكيين، بل لعبت دور الوسيط الهادئ الذى يبقى أبواب التفاوض مفتوحة فى أكثر اللحظات توتراً بين واشنطن وطهران. وتكمن غرابة التصريحات فى توقيتها أيضاً؛ فالمنطقة تعيش منذ شهور على إيقاع تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وسط محاولات حثيثة لإعادة بناء مسار تفاوضى يمنع الانفجار الكامل فى الخليج، وفى قلب المشهد برزت عُمان باعتبارها القناة التى مازالت قادرة على التواصل مع جميع الأطراف؛ لذلك بدا تهديد ترامب وكأنه رسالة تتجاوز مسقط إلى أى طرف إقليمى يحاول الحفاظ على هامش مستقل بعيداً عن الإملاءات الأمريكية. اللافت أن الخطاب الترامبى لم يعد يكتفى بإظهار القوة العسكرية، بل بات يعتمد على لغة الصدمة والابتزاز السياسى، فالرئيس الأمريكى يدرك أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائى، بل أصبح عنواناً للصراع على شكل النظام الإقليمى المقبل، ومن هنا جاءت تصريحاته بأن الولايات المتحدة «ستتولى حراسة المضيق»، فى إشارة تكشف عقلية تعتبر أمن المنطقة ملفاً أمريكياً خالصاً، حتى لو تعارض ذلك مع سيادة الدول المطلة عليه!. لكن هذه الغطرسة تحمل فى داخلها تناقضاً واضحاً؛ فواشنطن التى تحتاج إلى الوسيط العُمانى لإدارة التفاهمات مع إيران، هى نفسها التى تهاجمه عندما يرفض الانخراط الكامل فى الاستراتيجية الأمريكية، ولذلك رأى محللون أن تصريحات ترامب تعكس ارتباكاً أكثر مما تعكس ثقة؛ لأن تهديد دولة مثل عُمان قد يؤدى إلى خسارة أهم الجسور الدبلوماسية القادرة على احتواء الانفجار الإقليمى. إذ يبدو أن ما يزعج واشنطن أكثر هو نجاح مسقط فى ترسيخ نموذج مختلف يقوم على التوازن لا الاستقطاب، وعلى إدارة العلاقات مع القوى المتنافسة دون التحول إلى أداة فى صراعاتها، وهو ما يتعارض مع الرؤية الأمريكية للمنطقة. لذا لا تبدو الأزمة مرتبطة بعُمان وحدها، بل بطبيعة التحول الذى أصاب السياسة الأمريكية نفسها؛ انتقال من إدارة التحالفات إلى محاولة إخضاعها، ومن الدبلوماسية إلى منطق التهديد العلنى، حتى تجاه الحلفاء التاريخيين.
