اتفاق إسلام آباد.. من شبح الحرب إلى فرصة التسوية

الأحد 28 من ذي الحجة 1447 هــ
العدد 50959
بدا اتفاق إسلام آباد لحظة تاريخية انتظرها الجميع، ففي الوقت الذى كانت التوقعات تتجه نحو هجمات أمريكية أشد على إيران، جاء التحول بإعلان الرئيس ترامب التوصل إلى «تسوية رائعة» مع طهران، بعدها أعلن رئيس الوزراء الباكستانى التوصل إلى النص النهائى لاتفاق السلام بين البلدين، وبين هذين الإعلانين برز سؤال أكبر: ماذا جرى بين أمريكا وإيران؟ خلال الأشهر الماضية بدا المشهد متجها نحو اللاعودة، فواشنطن شددت ضغوطها العسكرية والاقتصادية، وتمسكت طهران بأوراق قوتها وفي مقدمتها مضيق هرمز والبرنامج النووى، لكن التجربة أثبتت مجددا أن الصراع لا ينتهى بانتصار كامل لأحدهما، بل بتسوية تفرضها حسابات القوة والمصلحة.
أهمية اتفاق إسلام آباد لا تكمن فقط في وقف الحرب وتمديد الهدنة بما يشمل الجبهة اللبنانية، بل فى تأسيسه لمسار سياسى يعالج أسباب التوتر، فإعادة فتح مضيق هرمز تزيل أحد أخطر مصادر القلق على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، كما يمنح تخفيف العقوبات الاقتصاد الإيرانى فرصة للتنفس بعد سنوات من الضغوط. أما الملف النووى، جوهر الأزمة، فيبدو أنه شهد الاختراق الأهم، فالتزام إيران بعدم السعى لامتلاك سلاح نووي، مع البحث فى آليات التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب تحت إشراف الأمم المتحدة، يمثل محاولة للتوفيق بين مطلب واشنطن وحق طهران. وفى جوهره، لا يمثل الاتفاق انتصارا أمريكيا أو إيرانيا، فالولايات المتحدة حصلت على تعهدات تتعلق بالملف النووى وأمن الملاحة، بينما نجحت إيران فى ربط التفاوض بتخفيف العقوبات والوصول إلى جزء من أموالها المجمدة وعودتها التدريجية إلى الأسواق النفطية.
كما أن الاتفاق جاء ثمرة وساطة إقليمية ودولية عكست إدراكا بأن استمرار الحرب يهدد مصالح الجميع، من دول الخليج إلى أوروبا، وصولا إلى واشنطن وطهران اللتين أدركتا أن كلفة المواجهة الطويلة تتجاوز مكاسبها. ورغم الأجواء الإيجابية، تبقى ملفات شائكة مثل اليورانيوم المخصب والأموال المجمدة بحاجة إلى ترتيبات دقيقة، كما يبقى اختبار الثقة المتبادلة قائما، ومع ذلك، فإن إعلان التوصل إلى النص النهائي للاتفاق يمنح المسار التفاوضي ثقلا سياسيا غير مسبوق، ويعكس انتقال الأزمة من إدارة الحرب إلى إدارة التسوية، في لحظة قد يسجلها التاريخ بوصفها انتصارا للسلام على شبح الحرب.
