حروب ما بعد الصناديق

الأربعاء 6 من ربيع الأول 1448 هــ
العدد 51025
ليست كل الانتخابات متساوية فى أثرها، بعضها يغير حكومة، وبعضها يأتى فى لحظة يصبح فيها صندوق الاقتراع جزءا من معركة أوسع على مستقبل الإقليم، وهذا ما يجعل الانتخابات الإسرائيلية فى 27 أكتوبر المقبل، والانتخابات النصفية الأمريكية فى 3 نوفمبر، حدثين يتجاوزان السياسة الداخلية إلى ملفات الحرب فى الشرق الأوسط.
فى إسرائيل، لا تبدو المعركة مجرد منافسة بين نيتانياهو وخصومه، وإنما اختبار لقدرة اليمين على الاحتفاظ بالسلطة، إذ يواجه نيتانياهو منافسين بينهم غادى آيزنكوت، ونفتالى بينيت، ويائير لابيد، وأفيجدور ليبرمان، بينما يبقى المشهد مفتوحاً بحكم النظام النسبى، وتشير استطلاعات إلى صعوبة بلوغ معسكر نيتانياهو الـ61 مقعداً. لكن تعثر نيتانياهو انتخابياً لا يعنى بالضرورة تراجعاً فى السياسة الإسرائيلية، فالمجتمع الإسرائيلى تغير تحت ضغط الحرب، والخلاف لم يعد حولها فقط، وإنما حول أهدافها وحدودها، لذلك يصعب توقع انعطافة كبرى قبل الانتخابات، إذ لا يملك نيتانياهو مصلحة فى تقديم تنازل يمنح خصومه مادة انتخابية، وحكومة مقبلة ستجد مجتمعاً متشدداً وملفات مفتوحة، ويظل الصوت العربى عاملاً مؤثراً، لكن وزنه مرتبط بالمشاركة وتجاوز الانقسامات.
أما الولايات المتحدة، فالمعادلة مختلفة، فالانتخابات النصفية ستحدد موازين القوى فى مجلسى النواب والشيوخ، إذ لا تمثل استفتاءً مباشراً على السياسة الخارجية، لكنها قد ترفع كلفة الحرب إذا فقد ترامب الأغلبية. كما أن التحول الأمريكى سبق صناديق الاقتراع، فقد بدأت الرواية الإسرائيلية التقليدية تفقد احتكارها للنقاش، وكان انتخاب ممدانى عمدة لنيويورك فى 2025 علامة لافتة على ذلك، ليس معنى هذا أن الولايات المتحدة أصبحت معادية لإسرائيل أو أن التحالف يوشك على الانهيار، لكنه يعنى أن إسرائيل لم تعد تتمتع بالإجماع نفسه الذى تمتعت به لعقود. وهنا يجب الترقب: الانتخابات لا تصنع التحولات الكبرى وحدها، وإنما تكشف تحولات تتشكل تحت السطح، لذلك ينبغى ألا يكون الرهان على سقوط نيتانياهو أو تغير أغلبية الكونجرس، بل على القدرة على التعامل مع أى تحول، فالفرص تحتاج إلى رؤية واضحة وأوراق ضغط وموقف إقليمى قادر على التحرك.
قد تغير الانتخابات بعض اللاعبين، لكنها لن تغير قواعد اللعبة وحدها، والسؤال ليس من سيفوز، وإنما: هل نملك القدرة على استثمار ما ستمنحه النتائج من فرص؟
