2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

من أبوالغيط إلى فهمى

الأربعاء 9 من محرم 1448 هــ
العدد 50969
جامعة الدول العربية بالنسبة للعرب ولمصر ليست مجرد إرث ومسئولية، بل هى دور ومكانة؛ فهى المؤسسة الوحيدة التى صمدت أمام تحولات إقليمية ودولية غير مسبوقة منذ تأسيسها فى 22 مارس 1945، ورغم الانتقادات لعدم قدرتها على احتواء بعض الأزمات، فإن الإنصاف يقتضى الاعتراف بأنها وفرت الإطار المؤسسى الذى حافظ على العمل العربى المشترك، فالجامعة لم تكن يوماً دولة فوق الدول، بل انعكاساً لحالة النظام العربى؛ فإذا توحدت الإرادة بدت فاعلة، وإذا انقسمت العواصم تراجعت، ولعل القضية الفلسطينية والقدس الشريف أوضح دليل على استمرارية هذا الدور، كبند ثابت نجحت فى حشد المواقف حوله، وامتد هذا الدعم إلى حركات التحرر الوطنى، ومصر لم تبخل يوماً على الجامعة، بل قدمت لها أفضل خبراتها الدبلوماسية.

وفى السنوات الأخيرة، تولى أمرها الدبلوماسى الهادئ، صاحب الخبرات السياسية الواسعة، السيد أحمد أبوالغيط، وبعمقه الاستراتيجى، استطاع أن يُبحر بسفينة الجامعة فى المرحلة الأكثر تعقيداً فى تاريخ العرب الحديث؛ حيث واجه الأعاصير، وتحديات الحروب الأهلية، وتصاعد التدخلات الإقليمية، وتهديد استقرار الدول؛ وهو ما تجسد فى أزمات معقدة طالت ليبيا واليمن والسودان وسوريا، وصولاً إلى الحرب على غزة والضفة الغربية والاجتياحات فى لبنان، ورغم صعوبة المرحلة، فقد صمدت الجامعة بقيادة أبو الغيط، بل خرج العرب بمواقف متماسكة، ومع انقضاء هذه الولاية، فإن من واجب كل عربى أن يرسل له شكرا وتقديرا؛ فقد رسخ الاستمرارية كمنهج ودور وإرث يجب الحفاظ عليه. واليوم، نتطلع إلى الأمين العام الجديد، الوزير نبيل فهمى، الذى يبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الجامعة، وهو دبلوماسى اعتاد العمل فى بيئات متشابكة تتطلب توازناً دقيقاً بين الثبات على المصالح والمرونة فى إدارة الخلافات، مما يجعل خبرته الرهان الأهم فى قيادة الجامعة، وهو ما يستحق منا خالص التهنئة بالتوفيق. ولعله يبدأ مهمته فى وقت ينظر فيه العالم العربى إلى مصر باعتبارها صاحبة الرؤية الأعمق؛ فالمنطقة تنتقل الآن من المواجهات إلى التفاهم والدبلوماسية التى تعيد صياغة قواعد اللعبة بعد سنوات طويلة من الصراع؛ هذا الانتقال يمنح دوراً أكبر للوزير فهمى وللجامعة على حد السواء، فنحن أمام واقع جديد أفلست فيه لغة الحروب، وسلمت مقاليدها للسياسة والتحالفات الجديدة، إن كل شىء بات قابلاً للمراجعة، ودخلنا زمن الانفتاح والسلام القادم والذى سيطلق قوى التغيير والتطور.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى