2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

نيتانياهو يخطب وحيدا

السبت 14 من ربيع الثاني 1448 هــ
العدد 51063
فى الأمم المتحدة، ليست الدبلوماسية دائماً بياناً أو تصويتاً؛ فأحياناً تقول المقاعد الفارغة ما لا تقوله الخطابات. عندما بدأ نيتانياهو خطابه، انسحبت 77 دولة، بينها مصر والأردن والسعودية وقطر وتركيا وإيران وباكستان وإندونيسيا وماليزيا وجنوب إفريقيا والبرازيل وشيلى وكولومبيا وإسبانيا، إلى جانب دول أخرى؛ فكان الاعتراض عابراً لأربع قارات بوضوح. لكن الأهم من الرقم هو السياق؛ دخل نيتانياهو دورة وضعت غزة والقضية الفلسطينية فى صدارة النقاش، بعد حرب أعادت القضية إلى الواجهة ودفعت دولاً كثيرة نحو حل الدولتين. ومن «جوتيريش»، الذى حذر من القتل والدمار ودعا إلى وقف القتال وإدخال المساعدات، إلى «ماكرون»، الذى وصف ما يجرى فى غزة والضفة بأنه «مخزٍ للجميع»، بدا واضحاً أن الصبر السياسى يضيق.

كانت الجمعية العامة قد عبرت عن هذا التحول فى سبتمبر 2025 حين أيدت إعلان نيويورك بـ142 صوتاً مقابل 10؛ لذلك لا يبدو الانسحاب حادثاً منفصلاً، وإنما صورة لمسار سياسى يتسع داخل الأمم المتحدة، وإن ظل عاجزاً عن تغيير مسار الحرب. لقد جاءت المقاعد الفارغة لتكشف اتساع العزلة السياسية التى تواجهها إسرائيل بسبب ما يجرى فى غزة، وليس المشهد جديداً؛ ففى سبتمبر 2024 غادرت وفود عند بدء خطاب نيتانياهو، وشهد سبتمبر 2025 انسحاباً مشابهاً، لكن تكرار المشهد لا يعنى عزلة كاملة؛ فإسرائيل لا تزال تملك دعماً سياسياً وعسكرياً من الولايات المتحدة.

نعم، تستطيع 142 دولة تأييد حل الدولتين، لكن ذلك لا يمنحها القدرة على فرضه؛ فالقرارات تصطدم عند التنفيذ بموازين النظام الدولى، ففى يونيو 2025 أيد الأعضاء الـ 14 الآخرون مشروع وقف دائم وفورى لإطلاق النار، لكن الفيتو الأمريكى أسقطه، وتكرر الأمر فى سبتمبر!

لقد وقف نيتانياهو أمام قاعة شبه فارغة داخل مؤسسة تعانى فجوة بين ما تقوله أغلبية الدول وما تستطيع فعله، فالاتفاق على أن الوضع الإنسانى فى غزة لا يحتمل وأن الاستيطان يهدد التسوية شىء، وتحويله إلى واقع شىء آخر، ودلالة الـ77 دولة تكمن فى اتساع دائرة الاعتراض وتراجع قدرة الخطاب الإسرائيلى دولياً، لكن الصورة لا تكفى لإنهاء الحرب، أو إقامة الدولة الفلسطينية.

وبين قاعة تفرغ، وواقع تحكمه موازين القوة، يبقى السؤال: متى يتحول الإجماع الدولى من موقف سياسى وأخلاقى إلى قوة قادرة على تغيير الواقع؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى