حرب معقدة!

الأثنين 26 من رمضان 1447 هــ
العدد 50869
لقد اعتمدت إيران فى الحرب الأمريكية- الإسرائيلية عليها نمطا لا مركزيا فى إدارة عملياتها يقوم على توزيع الوحدات العسكرية عبر المحافظات، فيما يسميه بعض الخبراء «إستراتيجية الموزاييك»، وهى بنية دفاعية تتكون من وحدات متعددة، لكل منها مخزونها، وتسلسل أوامرها، وقدرتها على العمل حتى فى حال تعطل القيادة المركزية، وهذا يعنى ببساطة أن استهداف المراكز الكبرى لا يؤدى بالضرورة إلى شل القدرة على الرد، وأن الحرب مع إيران لا تشبه إسقاط مفتاح كهرباء ينطفئ بعده كل شىء. من هنا يمكن فهم كيف واصلت إيران إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة رغم الضربات المكثفة التى طالت مستودعات السلاح، ومنصات الإطلاق، ومراكز القيادة، كما يمكن فهم طبيعة الهجمات المضادة بعيدة المدى، وغير المتوقعة، التى استهدفت مواقع أمريكية وإسرائيلية، بما حمله من دلالة على أن هامش الرد الإيرانى لا يزال يتجاوز كل الخطوط الحمراء، وأن ميدان الاشتباك قابل للاتساع، وليس الانكماش كما توحى تصريحات ترامب، والأهم من ذلك أن هذه الحرب لا تُخاض بالسلاح وحده، لأن إيران تدير، فى جانب كبير منها، حربا هجينة (عسكرية وسياسية واقتصادية ونفسية فى آن واحد)، وهى، فى ضوء عقيدتها القتالية، لا تراهن فقط على الصمود التقليدى، بل على استنزاف الخصم، وتعقيد حساباته، ورفع كلفة المواجهة إلى الحد الذى يجعل «الانتصار السريع» مجرد وهم دعائى، وإذا ما تطور المشهد إلى غزو برى أو انخراط ميدانى أوسع، فإن طهران تحتفظ أيضا بخيار حرب العصابات، وإطالة أمد النزاع، مما يعنى أن مسألة الخروج من الحرب ستصبح أشد تعقيدا من قرار الدخول إليها. وهنا يظهر المأزق الأمريكى بوضوح، فبحسب ما أوردته تقارير فى الكونجرس الأمريكى، استهلك البنتاجون خلال أول 48 ساعة من عملية «الغضب الملحمى» ذخائر تقدر قيمتها بنحو 5.6 مليار دولار، بينما تزايدت المخاوف من استنزاف سريع لمخزون الذخائر المتطورة، والمعنى هنا لا يقتصر على الكلفة المالية، وإنما يطول القدرة على الاستمرار، ومعدل الاستهلاك، وسقف التحمل السياسى والعسكرى فى واشنطن، وبالتالى، فإن الحديث عن قرب نهاية الحرب لا يستند، حتى الآن، إلى مؤشرات صلبة، فالأهداف متباعدة، والثقة معدومة، وصفقة سياسية مقبولة للطرفين الإيرانى والإسرائيلى غير متاحة فى الأفق.
