درس التاريخ والسد العالى

الأحد 24 من ربيع الأول 1448 هــ
العدد 51043
ما أشبه الليلة بالبارحة! كل السياسات القديمة يمكن البناء عليها وتطويرها وليس هدمها وإقصاءها, فأى عمل إنسانى يحتمل الصواب أو جزءاً من الخطأ، والتصحيح والاستفادة من الأخطاء لا يمكن أن تتّم بإبعاد القديم كله.
ولعل بناء السد العالى يوازيه فى القوة والمكانة ما عُرف بسياسة «عدم الانحياز» فى الخمسينيات والستينيات؛ وهى سياسة ناجحة، فقد بنينا بها هذا المشروع القومى العملاق، وأثبتت الأيام أهميته، وصحة الرؤية تماماً، خاصة عندما يتلاعبون بنهر النيل فى الأعالى ويريدون تحويله إلى «بنك للمياه» لبيع مياهه لمن يحتاج. لقد كان مشروع السد ومازال بنكاً خالصاً للمياه لمصر والمصريين، يحميها من الجرائم المخلة بالقوانين الدولية، بل وبالشرف والنزاهة فى أعالى النيل فى إثيوبيا نتيجة لعبة قوى الشر. وقد بنينا السد العالى فى ذلك الوقت بالاتفاق مع الاتحاد السوفيتى كقوة كبرى مناوئة لأمريكا والغرب حينها، وأثبتت العقود المتتالية أن السد لم يحمنا فقط من الفيضانات أو سنوات الجفاف التى هى أسوأ منها، بل حمانا أيضاً من لعبة الأمم فى التحكم بمصائر الشعوب والدول القديمة مثل مصر، وعلى الرغم من أنه حرمنا من طمى النيل وحجزه فى بحيرة السد (وهو أثر سلبى تضاهيه إيجابياته وقدرته الفاعلة على مر العقود)، ونستطيع الآن بالتكنولوجيا والتطور العلمى والتسميد الجيد والرى الحديث حماية التربة وتجاوز هذا الأثر السلبى.
واليوم، يُعيد التاريخ درس الخمسينيات بصورة جديدة؛ فها هى الأيام تمر وتكبر الصين سياسياً واقتصادياً وعالمياً، وتصبح قادرة على المنافسة بل وبناء نظام عالمى جديد متعدد القوى قادرا على إدارته سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وعلمياً وتكنولوجياً. الصين لا سبيل إلى إيقاف نموها العالمى والعسكرى فى عالمنا المعاصر؛ فقد بنت قوتها وانتهى الأمر، وحان أوان استثمارها وتحولها على المسرح العالمى ندا ومنافساً، بل وشريكاً للغرب بأكمله وليس لأمريكا فحسب، وهى قادرة على تحقيق هذا الهدف باقتدار، وقد جرب معها الأمريكيون والغرب الأوروبى كل أساليب الانزلاق إلى الصراعات لتتوه عن أهدافها ولم ينجحوا، مثلما نجحوا وفعلوا مع الاتحاد السوفيتى، وبعد ذلك مع روسيا الاتحادية التى دخلت حرب استنزاف فى أوكرانيا وأصبحت فى حاجة لأمريكا والغرب لإيقاف الحرب وإنقاذ أوضاعها الداخلية وثروتها البترولية التى تتبدد يومياً بطبيعة الصراع.
