القاهرة الساهرة..!

السبت 30 من شوال 1447 هــ
العدد 50902
الحمد لله، عادت الأنوار إلى القاهرة وانتعشت، وخرجت من الظلام بعد أيام قليلة، ولن تعود إليه بإذن الله، فقد قررت الحكومة فتح المحال، وإنارة الشوارع، والعاصمة إلى الساعة الحادية عشرة مساءً، وعقب قرار الإغلاق السابق حرصتُ على زيارة القاهرة التى أعرفها، فوجدتها غارقة فى الظلام والخوف؛ وذهبت إلى حى السيدة زينب، وإلى السيدة نفيسة، ودعوت الله أن تعود أنوار القاهرة الساهرة، وهذا القرار الذى أصبح ماضيا أرجو ألا يعود، وأدعو الحكومة إلى إعادة دراسته من جديد ومعرفة أخطائه؛ لأنه من أكثر القرارات «غير الاقتصادية»، ولم يكن فيه أى ترشيد بالنسبة لمصر؛ فلكل بلد طبيعة خاصة تتحكم فيه.
إن القاهرة عاصمة ليلية، ومعظم العاملين فيها لا يعملون فى المصانع أو حتى دواوين الحكومة، بل إن أغلبهم فى القطاع الخاص الذى يسهر بطبعه، حتى أصحاب الورش يبدأ عملهم فى منتصف اليوم ويسهرون، وأعمالهم لا تنتهى عند الساعة التاسعة، أما الشركات التى تصنع الثروة وتقدم الخدمات فى بلدنا فمعظم نشاطها يبدأ بعد الظهر ويمتد ليلا، فنحن لا نبدأ أعمالنا فجرا مثل معظم دول العالم، وإن كنا نحتاج إلى تغيير فى نمط العمل وتطويره، وهذا أمر يحتاج إلى سنوات طويلة، فلنبدأ إذن بذكاء وعلم.
لقد كانت فترة الإغلاق «القاهرية» فرصة لى لأعيد قراءة ما كُتب عن القاهرة وطبيعتها الساهرة، وتوقفت أمام كتاب أدعو كل المصريين إلى إعادة قراءته ليعرفوا عاصمتهم علميا وأدبيا بشكل أعمق؛ وهو كتاب «القاهرة» تأليف ديزموند ستيوارت، وهو كتاب قديم صدر فى الستينيات، ولكن عندما تقرأه تشعر وكأنه صدر حديثا، وقد تُرجم إلى العربية بيد الأديب يحيى حقى، وقدم له الدكتور جمال حمدان، أكثر علمائنا اقتدارا، ولو كنت مسئولا فى وزارة التعليم العالى لطلبت أن يُقرأ هذا الكتاب على طلابنا بمختلف مستوياتهم، فيحيى حقى حين ترجم الكتاب لم ينقل كلمات بل كتبها بقلم «صاحب القنديل»؛ فهو يتحدث عن القاهرة حديث عاشق عن عشيقته.. حديث إنسان حى عن إنسان حى، إنها مدينة تتفرد بملامح ثابتة وإن تقلبت ثيابها، لن يخط هذا الكتاب قلم مؤرخ أو عالم آثار فحسب، بل هو قلم أديب «ابن بلد»، أو قل قلم شاعر.
