2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

فى رحيل المستشار القاضى أحمد الزند

الأثنين 16 من ربيع الثاني 1448 هــ
العدد 51065
بعض الرجال حين يرحلون، لا يكتفى موتهم بترك فراغ فى المكان فقط، وإنما يفتح فى الذاكرة فجأة صفحات من زمن عاشوا تفاصيله وصنعوا ملامحه. هكذا هو رحيل المستشار أحمد الزند، الذى غاب عن عالمنا بعد رحلة طويلة فى القضاء والعمل العام، كان فيها اسمُه حاضرا بقوة كلما اقترب الخطر من استقلال القضاء وهيبة الدولة؛ ففى سنوات اهتزت فيها مؤسسات الدولة، وجد نفسه فى قلب المواجهة، لا يبحث عن مساحة آمنة، وإنما يتحدث من فوق منبره دفاعا عن القضاء ورجاله. لم يكن الزند قاضيا عاديا فى سجل القضاء المصرى؛ فحين انتُخب رئيسا لنادى قضاة مصر عام 2009، ثم أعيد انتخابه عام 2012، كان يعرف أن المنصب لن يكون مجرد واجهة نقابية، وما إن وصلت جماعة الإخوان إلى الحكم، حتى وجد نفسه فى أتون واحدة من أعنف المعارك التى عرفها القضاء المصرى.

وقف الزند فى مواجهة محاولات تغيير المشهد القضائى؛ فتصدى لعزل النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود وتعيين طلعت عبد الله، ورفض الإعلان الدستورى الصادر فى نوفمبر 2012 الذى أثار أزمة حادة بسبب تحصين قرارات رئيس الجمهورية من الطعن، وحين ظهرت مشروعات خفض سن تقاعد القضاة – والتى رأى فيها محاولة لإخراج أعداد كبيرة منهم من الخدمة، ووصفها بـ«مذبحة القضاء»- قاد من موقعه فى نادى القضاة مواجهة شرسة ضدها. فى تلك الأيام، اكتسب الزند ألقابا مثل «أسد القضاة»، و«العدو الأول للإخوان» لم تكن الألقاب هى التى صنعت صورته، وإنما المواقف التى جعلته يستحقها: صوت جلى، وعبارات حاسمة، ورفض لفكرة أن يصبح القضاء ساحة تابعة للسلطة أو رهينة لصراع أو فصيل سياسى.

ثم جاءت توليه وزارة العدل فى 2015 وحتى مارس 2016 بعد سنوات المواجهة، ليجلس هذه المرة على المقعد التنفيذى الذى ظل بعيدا عنه طويلا، لم يمكث فى الوزارة كثيرا، لكنه ظل محتفظا بالنبرة ذاتها. قد يختلف الناسُ حول أسلوب الزند أو بعض تصريحاته، لكن ذلك لا يمحو الحقيقة الأوضح فى سيرته: إنه حين كان القضاء مهددا، اختار المواجهة. رحل الزند، وبقيت صورته كما عرفناها: قاضيا شديد البأس، ورجلا لم يكن يجيد الوقوف فى منتصف الطريق، رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى