التخضير.. ومدن تتنفس

الثلاثاء 26 من ربيع الأول 1448 هــ
العدد 51045
كانت لافتةً، فى توقيتها ودلالتها، توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى بضرورة تبنى مبادرة لـ «تخضير القاهرة»، وتحويل أى مساحة يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء، بالتوازى مع جهود إحياء المناطق التاريخية والتراثية فى العاصمة، فالمسألة تشمل رؤية أوسع لشكل مدننا فى السنوات المقبلة، وكيف يمكن أن يكون التطوير العمرانى متصلاً بالبيئة وجودة الحياة. هذه المبادرة تحتاجها مدينة مثل القاهرة تحديداً؛ إذ تتسع عمرانياً بوتيرة سريعة، وتواجه ارتفاعاً ملحوظاً فى درجات الحرارة وتزايداً فى الضغوط البيئية، ومن هنا، لا تعد الشجرة عنصراً تكميلياً فى المدينة الحديثة، بل جزءاً أصيلاً من بنيتها الأساسية؛ لما توفره من ظل، وما تسهم به فى تحسين جودة الهواء. وتزداد أهمية ذلك مع تشكّل ما يعرف بـ «الجزر الحرارية الحضرية»، حيث تمتص الأسطح الخرسانية والأسفلتية الحرارة وتحتفظ بها، فتكون بعض المناطق داخل المدينة أشد حرارة من محيطها، وهنا لا تعمل الأشجار بمثابة مظلة طبيعية فحسب، بل كوسيلة لتلطيف المناخ وكسر تراكم الحرارة، خصوصاً عندما تتوزع المساحات الخضراء بصورة مدروسة حول المناطق السكنية والطرق والممرات والمناطق المفتوحة. وإذ تشير التقديرات المناخية إلى أن وجود الأشجار داخل المدن يمكن أن يخفض درجات الحرارة فى محيطها بنحو 4 إلى 8 درجات مئوية، فضلاً عن دورها فى الحد من الأتربة، وتوفير بيئة أكثر راحة للإنسان، ففى دولة مثل مصر يفرض مناخها الجاف تحديات متزايدة، يصبح التوسع فى المساحات الخضراء إحدى أدوات التكيف مع المستقبل، وليس مجرد خيار جمالى. وهنا يبرز السؤال الأساسى: ليس فقط كم شجرة زرعنا؟ وإنما أين زرعناها، وما مدى استفادة السكان منها، وهل وصلت الخضرة إلى المناطق الأكثر احتياجاً إليها؟ فالتخضير الحقيقى لا يُقاس بعدد الأشجار وحده، بل بقدرتها على الوصول إلى الإنسان وتحسين البيئة المحيطة به، لتصبح جزءاً مستداماً من حياته اليومية. إن التحدى الحقيقى لا يكمن فى عدد الشتلات التى تُزرع، بل فى قدرتنا على تحويلها إلى أشجار دائمًا وقادرة على أداء وظيفتها البيئية، وهذا يتطلب اختيار الأنواع الملائمة للمناخ، وترشيد استخدام المياه عبر تطبيق نظم الرى الحديثة، والمتابعة المستمرة؛ فنجاح أى برنامج للتشجير يبدأ من لحظة الغرس، ولا يكتمل إلا عندما تغدو الشجرة جزءاً مستقراً أصيلاً من المشهد الحضرى.
