2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

باب المندب و«فجر اليمن»

الخميس 26 من ربيع الثاني 1448 هــ
العدد 51075
فتحت عملية «فجر اليمن» مساراً مختلفاً للحرب الطويلة بين الحكومة والحوثيين؛ فهل تنجح الحكومة بدعمٍ سعودى فى تغيير ميزان القوى، أم أن اليمن مقبلٌ على جولة أخرى من الكر والفر؟ إن اختيار الساحل الغربى وباب المندب نقطةَ انطلاقٍ ليس عشوائياً، فالمضيق بوابة البحر الأحمر إلى خليج عدن، والسيطرة على محيطه تمنح الطرف المسيطر موقعاً مؤثراً فى مسرح العمليات العسكرية، ولهذا أعلنت القوات، فى 5 أكتوبر، استعادة مديرية ذو باب ومواقع حول باب المندب ثم المخا، بينما نفت جماعة الحوثى حجم المكاسب. لكن أهمية «فجر اليمن» لا تُقاس ببدايتها فحسب؛ فالسيطرة على الأرض شىء، والاحتفاظ بها وتوسيعها شىء آخر، وهنا تكمن العقدة منذ سقوط صنعاء فى يد الحوثيين عام 2014، إذ تعددت مراكز القوة وصعُب تحويل التفوق العسكرى إلى سلطة مستقرة. ومن هنا تبدو المعركة مختلفة؛ فالسعودية لا تتحرك دفاعاً عن حدودها فقط مع تعرض المنشآت والمطارات داخل المملكة لهجمات حوثية، بل تحاول مواجهة الخطر فى مصدره، وفى المقابل، تتحرك الحكومة لاستعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء وضع فرضته جماعة مسلحة على العاصمة. والأهم أن التحرك العسكرى تزامن مع انتقال الترتيبات الدفاعية السعودية إلى إطار جديد؛ ففى 5 أكتوبر، قررت السعودية وتركيا وباكستان البدء فى تنفيذ التزامات الدفاع المشترك ضمن «حلف مكة»، حيث تتعامل الرياض مع التصعيد باعتباره تهديداً لأمنها وتَبنى له إطاراً للردع الجماعى. وهنا تصبح «فجر اليمن» بمثابة إعادة ترتيب للعلاقة بين أمن السعودية واليمن؛ فمنذ تدخل التحالف العربى بقيادة الرياض عام 2015، كانت الأولوية منع سقوط اليمن فى يد الحوثيين وحماية الحدود السعودية، أما الآن، ومع امتداد الحرب إلى الأراضى والمنشآت السعودية، فإن بقاء الوضع اليمنى كما هو أصبح أكثر كلفة. لكن أصعب مرحلة تبدأ بعد التقدم العسكرى؛ فباب المندب لا يحسم معركة اليمن، والنجاح يحتاج إلى توحيد القوى الحكومية، وتثبيت المناطق المستعادة، وفتح مسار سياسى يحول التفوق الميدانى إلى دولة. لذلك، فإن السؤال الحقيقى: هل بدأ اليمن ينتقل من حرب تستنزف الجميع إلى إعادة بناء الدولة؟ إذا نجحت الإجابة، فقد يكون ما جرى بداية تحول، أما إذا بقيت المكاسب العسكرية منفصلة عن مشروع سياسى وعسكرى موحد، فسيظل اليمن يدور فى الدائرة نفسها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى