يوليو أسَّست.. ويونيو جَدَّدت

الأحد 12 من صفر 1448 هــ
العدد 51001
عندما نعيد النظر فى التاريخ المصرى الحديث، تبدو ثورتا يوليو 1952 ويونيو 2013 أقرب إلى حلقتين فى مسار واحد؛ فالأولى أسَّست الجمهورية المصرية، بينما دشَّنت الثانية «الجمهورية الجديدة»، على اختلاف التحديات التى واجهت كلا منهما. عندما قامت ثورة يوليو، انصرف إلى تأسيس دولة وطنية تمتلك قرارها، وتستند إلى جيش وطنى يحمى سيادتها واستقلالها، ومنذ تلك اللحظة، أصبحت الجمهورية الإطار الذى انتظمت داخله مؤسسات الدولة.
غير أن الجمهورية، كمشروع تاريخى، لم تكن بمنأى عن الاختبار؛ فبعد أكثر من سبعة عقود، لم تواجه خطرًا عسكريًا أو احتلالاً أجنبيًا، وإنما واجهت تحديًا استهدف فكرة الدولة من الداخل، حيث كشفت تجربة حكم جماعة الإخوان عن الفارق الكبير بين الوصول إلى السلطة وبناء الدولة.
فقد بدا واضحًا أن إدارة مؤسسات الدولة بمنطق «التنظيم» لا بمنطق «الوطن» تفضى إلى إضعافها، وأن الدولة الوطنية لا يمكن أن تستقيم إذا أصبحت مؤسساتها خاضعة لاعتبارات الولاء للجماعة قبل المصلحة العامة، ولهذا، لم يكن الخلاف حول أداء حكومة بقدر ما كان خلافًا جذريًا حول هوية الدولة نفسها.
فى هذه اللحظة، جاءت ثورة 30 يونيو لتعيد تأكيد المعنى الذى قامت عليه الجمهورية: أن الدولة ملك لجميع أبنائها، وليست امتدادًا لتنظيم أو تيار، ولم يكن خروج ملايين المصريين إلى الشوارع إلا دفاعًا عن بقاء الدولة الوطنية وهويتها.
وفى الثورتين، برز الجيش بوصفه الضامن لإقامة الدولة واستمرارها، لا بوصفه طرفًا فى صراع سياسي؛ ففى يوليو حمل على عاتقه مسئولية تأسيس الجمهورية وإنهاء مرحلة فقدت قدرتها على الاستمرار، وفى يونيو انحاز إلى الإرادة الشعبية، وحال دون انزلاق البلاد إلى صدام كان من شأنه أن يهدد كيان الدولة بأكمله.
ومن هنا، فإن «جمهورية يونيو» تمثل امتدادًا طبيعيًا لجمهورية يوليو؛ فإذا كان الجيل الأول قد انشغل بتأسيس الدولة وترسيخ استقلالها، فإن المرحلة الراهنة انشغلت بتطوير قدراتها، وتحديث بنيتها، وتوسيع مفهوم الأمن القومى ليشمل الاقتصاد والطاقة والمياه والغذاء والتكنولوجيا، إلى جانب القوة العسكرية، إنها نقلة من بناء الدولة إلى تعظيم كفاءتها، ومن تثبيت أركانها إلى تعزيز قدرتها على المنافسة والبقاء.
لذا، فإن العلاقة بين يوليو ويونيو تؤكد أن قوة الدول لا تقاس فقط بلحظة تأسيسها، وإنما بقدرتها على حماية مشروعها الوطنى.
