هرمز.. الهجمة المرتدة

الخميس 7 من ربيع الأول 1448 هــ
العدد 51026
فى السياسة، ليست كل ورقة ضغط رابحة لمجرد أنها تؤلم الخصم؛ فقد ترتد كُلفتها على صاحبها أيضاً، ومضيق هرمز أكبر شاهد على ذلك.
فمنذ اندلاع الحرب الأمريكية على إيران، تحول المضيق إلى جزء من المواجهة، وتراجعت حركة سفن السلع إلى بضع سفن فقط، مقابل متوسط 130 إلى 140 سفينة يومياً قبل الحرب، فأصبح المرور عبره محفوفاً بالمخاطر.
لكن المفارقة أن إيران كانت جزءا من هذه المعادلة، ودفعت ثمنا باهظاً لاستخدام المضيق للضغط، ففى النصف الأول من 2025 مر عبر هرمز نحو 20.9 مليون برميل نفط يومياً إلى جانب الغاز المسال، وهو ما يكشف كلفة اضطراب الملاحة على اقتصادات المنطقة، بما فيها إيران.
لكن الضرر لم يتوقف؛ فكلما طال أمد الاضطراب، سارعت الدول فى البحث عن بدائل، وتحول ما كان مؤجلاً إلى ضرورة استراتيجية، إذ قدّرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية قدرة خطى الأنابيب فى السعودية والإمارات على تجاوز المضيق بنحو 4.7 مليون برميل يومياً، وهو ما يخفف فعلياً الاعتماد عليه. قد لا يكون الاستغناء التام عن هرمز مطروحاً فى المدى المنظور، لكن المشكلة بالنسبة لإيران لا تكمن فى اختفاء المضيق من خريطة التجارة الدولية، بل فى أن تفقد تدريجياً قدرتها على تحويله إلى مصدر نفوذ دائم.
ليس هذا الخطر جديداً على إيران؛ فخلال “حرب الناقلات” فى الثمانينيات، دفعت مخاطر تعطل الملاحة طهران نفسها إلى البحث عن مسارات بديلة لتصدير نفطها بعيداً عن الخليج، ثم توقفت الفكرة بانتهاء الحرب، لكن دلالتها بقيت حاضرة: إن الموقع الجغرافى الذى يمنح إيران ورقة ضغط، يمكن أن يتحول عندما تستخدامه إلى مصدر قلق يدفع الجميع إلى البحث عن بدائل. فما يبدأ طارئا اليوم، قد يصبح عادة تجارية بعد الحرب، قد تكون البدائل أعلى كلفة، وقد يظل هرمز الأكثر كفاءة، لكن أمن الإمداد له ثمن. لذلك، قد تكون الخسارة الإيرانية الأعمق خارج حسابات النفط؛ فطهران تستطيع جعل هرمز أكثر خطورة، لكنها لا تستطيع منع الآخرين من تقليص اعتمادهم عليه، وبناء بدائل تقلل من نفوذها، فتصبح المفارقة أن إيران قد ترفع القيمة الجيوسياسية للمضيق مؤقتاً، لكنها تُخفض -على المدى البعيد – من قيمته فى حسابات العالم، وتلك هى كلفة القوة.
