مشهد ترامب فى بحيرة جنيف

الأربعاء 2 من محرم 1448 هــ
العدد 50962
فى مشهدٍ يشبه مباريات كأس العالم التى تجرى فى أمريكا الشمالية وتستضيفها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، خطف حدثٌ سياسى مدوّ يُعقد فى مدينة «إيفيان» الفرنسية على بحيرة جنيف بقمة السبع الاهتمام العالمى؛ وهناك قمة أخرى توازيها هى التوقيع الأمريكى الإيرانى الذى ينتظره العالم لينهى حرب الشرق الأوسط. أراد الرئيس الأمريكى ترامب أن يسترضى أوروبا، فجعل قمة السبع تستضيفها بحيرة «ليمان» أو بحيرة جنيف، وهى كبري بحيرات أوروبا الغربية، ورمزٌ لأوروبا التى اعتادت أن تصنع التسويات عندما تستعصى الحروب. وكانت المفاجأة «الترامبية» أن يختار أوروبا لتوقيع حدث إنهاء حرب إيران ليرضى جمهوره فى واشنطن، ويبدد كثيرا من الشكوك فى العلاقات الأوروبية الأمريكية؛ فالقارة العجوز ظلت تتحرك عقودا تحت المظلة الأمريكية، لكنها تبدو اليوم فى حال استعادة لدورها فى إدارة الأزمات الدولية، وتريد أن تذكر العالم بأن لها مكانا بارزا على طاولة صناعة القرار. وفى هذا المشهد، وصل قادة الدول السبع وحصرت كل الملفات؛ من أوكرانيا إلى الصين والذكاء الاصطناعى، ولكن خطفت الأضواءَ مذكرةُ التفاهم الأمريكية الإيرانية. وبطل المشهد، سواء حضر أو لم يحضر، هو الرئيس ترامب، الذى جعل هذا الحدث أيقونة احتفاله بعيد ميلاده الثمانين؛ وكأنه يريد أن يقول إنه يستعد لاختيار خليفته وتأهيل أمريكا لما بعد ترامب. لقد أدرك ترامب أنه لن يستطيع أن يهزم العالم وحده، بل إن حرب إيران استطاعت أن تلجم طموحاته، وجعلته يستدعى المؤسسات الأمريكية التى تشاركه القرار بعد أن اقتنع بأن الحرب الأخيرة هذّبت طموحه، وقرر مراجعة مواقفه، ولو كان عليه أن يوبخ حليفه «نيتانياهو» علانية بأنه لا يقدر عواقب قراراته، لكى يهرب من تبعات هذه الحرب التى كادت تسحب العالم إلى أزمة اقتصادية وأزمة طاقة خانقة. أراد ترامب أن تكون نهاية حرب إيران خاتمة رمزية لمسيرته السياسية ليضيف لقب «الرجل الذى أوقف الحرب»، وتكمن أهمية المشهد فى أنه يكشف حال الولايات المتحدة اليوم؛ فواشنطن لم تصل من موقع المنتصر، بل من موقع الدولة الحذرة التى تحاول احتواء الأزمات، ومن هنا تبرز الصورة الأبرز: أوروبا تستعيد ذاكرتها السياسية، بينما أمريكا تصبغ مرحلة انتقالية صعبة سيرث فيها الرئيس القادم عالما أكثر تعقيدا، وسط تحالفات أكثر هشاشة. هكذا رأيت المشهد حول بحيرة «ليمان» حيث تعود أوروبا لتسترد روحها التاريخية، بينما تقف أمريكا حذرة تعيد حساباتها لما بعد مرحلة ترامب.
