2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

خيطٌ فى السماء.. عقدةٌ على الأرض!

السبت 16 من ربيع الأول 1448 هــ
العدد 51035
قد تبدو قصة الطائرات الورقية التى عبرت من غزة إلى الجانب الإسرائيلى من النوع الذى يصعب تصديقه: كيف يمكن لجسمٍ من ورقٍ أو بلاستيك أن يتحول إلى قضية أمنية تستدعى تهديداتٍ بالتصعيد العسكرى؟ لكن القصة حقيقية، والأهم أن دلالتها لا تتعلق بقدرة الطائرة الورقية على إلحاق ضرر عسكرى، بقدر ما تكشفه عن المناخ السياسى والأمنى الذى تتحرك فيه المنطقة الآن! لفهم الحساسية الإسرائيلية الشديدة، نعود إلى 2018، حين استخدمت الطائرات الورقية الحارقة خلال «مسيرات العودة» لإشعال الحقول والأحراش المحاذية لقطاع غزة، حتى هدد مسئولون إسرائيليون بردود عسكرية، وفى 2021، شنت إسرائيل غارات رداً على إطلاق بالونات حارقة؛ لتدخل هذه الوسيلة فى معادلة الردع المتبادل.

هذه الخلفية ربما تفسر القلق الإسرائيلى، لكنها لا تفسر أبدًا حجم التصعيد؛ فهناك تفاهمات لوقف إطلاق النار ومفاوضات تدور حول غزة وإعادة الإعمار ونزع سلاح حماس، بينما الخلاف حول ترتيبات الانسحاب الإسرائيلى قائم، وهنا تكتسب الطائرة الورقية قيمة سياسية، ففى بيئةٍ هشة، تكفى لعبة أطفال لتحويل المشكلة إلى قضية أمنية لا سياسية. الأمر نفسه فى لبنان؛ فالمفاوضات الأمريكية تدور حول الانسحاب الإسرائيلى مقابل ترتيبات أمنية ونزع سلاح «حزب الله»، واتفقت إسرائيل ولبنان على آلية التحقق، لكن الخلاف حول الانسحاب ظل قائماً أيضا، وجاءت الحوادث الأمنية فتراجعت الثقة مجدداً. وتتكرر القاعدة: كلما اقتربت السياسة من اختبارٍ جدى، عاد تصدير الأمن ليحتل الواجهة!

واللافت أن إسرائيل تعرف الفرق بين «الجسم الطائر» و«السلاح»، وبرغم ذلك أعلنت فى 23 أغسطس الرد على إطلاق الطائرات والبالونات، بينما انتقدت الأمم المتحدة تهديداتها بإخلاء مناطق فلسطينية.

وهنا تكمن المفارقة: الطائرة الورقية لأطفال غزة تحمل فى إسرائيل ذاكرة الحريق، وتحمل فى غزة صورة الطفولة المحاصرة، وبين الصورتين تقف السياسة عاجزة. لذلك، فالقضية ليست ما إذا كانت الطائرة الورقية سلاحاً أم لعبة؛ بل: هل تسمح الأطراف للعبة صغيرة بأن تعيد فتح أبواب الحرب كلما اقتربت المفاوضات من اختبار حقيقى؟ إذا حدث ذلك، فلن نقول إن الطائرات الورقية هى التى عرقلت الاتفاق، بل ستكون المشكلة فى بيئة سياسية؛ أصبح فيها أى خيطٍ عابرٍ فى السماء قادراً على قطع خيط التفاوض على الأرض!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى