حرب الخوارزميات..!

الأحد 10 من شوال 1447 هــ
العدد 50882
فى فجر 28 فبراير الماضي، اهتزت مدن إيرانية عدة بانفجارات طالت منشآت عسكرية فى أصفهان وطهران، فى هجوم وصفته واشنطن وتل أبيب بأنه عملية عسكرية مشتركة، لكن ما كشفته التحقيقات اللاحقة كان أخطر من استخدام الأسلحة المتطورة نفسها؛ فقد أصبح الذكاء الاصطناعى ليس مجرد أداة مساعدة، بل جزء فاعل من منظومة اتخاذ القرار القتالي، بحيث حلّت «الخوارزميات» محل البشر فى تحليل المعلومات الضخمة، وتحديد الأهداف، واقتراح توقيت الضربات.
أعتقد أن هذا الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية لم يكن وليد المصادفة، بل تتويج لعقدين من التحول الرقمى العميق فى البنية العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، ففى الولايات المتحدة انطلق المسار من استراتيجية التفوق التكنولوجى المتقدمة التى أطلقتها وزارة الدفاع 2014 بهدف استعادة التفوق عبر الروبوتات، والأنظمة ذاتية التشغيل، قبل أن يتبلور فى مشروع لتحليل لقطات الطائرات المسيرة آليا تطور لاحقا ليصبح المحرك الأساسى لمنظومة القيادة والسيطرة الموحدة لجميع المجالات التى تربط كل مستشعر بكل سلاح عبر شبكات سحابية ذكية، وفى يناير الماضى أصدرت وزارة الدفاع استراتيجية جديدة فرضت تحويل الجيش إلى «قوة تقودها الخوارزميات»، مما مهد الطريق لدمج نماذج لغوية ضخمة فى أنظمة القتال تقوم بمهام مثل تحليل الاتصالات المعادية، واختيار الأهداف التى تحقق أكبر قدر من الانهيار الهيكلى للعدو بأقل تكلفة، أما فى إسرائيل فقد قادت الوحدة المتخصصة فى الاستخبارات العسكرية والتقنيات الرقمية هذا التحول، متجاوزة التنصت التقليدى إلى تطوير «خوارزميات قتالية» تدمج بيانات الأقمار الصناعية والاتصالات السيبرانية لخلق ملفات استهداف فورية، وفى يناير الماضي، وقعت واشنطن وتل أبيب اتفاقية شراكة استراتيجية فى مجال الذكاء الاصطناعي، هذه الاتفاقية كانت بمثابة «عقد زواج» عسكرى لدمج القدرات الأمريكية فى معالجة البيانات الضخمة مع الخبرة الإسرائيلية الميدانية فى الاغتيالات الخوارزمية، هذا التحول يعنى أن القرار العسكرى لم يعد يعتمد على «حدس القائد»، بل على «ثقة الخوارزمية» التى تم تدريبها على آلاف الساعات من البيانات القتالية التى تم جمعها فى نزاعات سابقة، مثل عملية اعتقال الرئيس الفنزويلى مادورو فى مطلع العام الحالي، وخلال الهجوم الأمريكي- الإسرائيلى الحالى على إيران.
