ماذا بعد انتهاء «نيو ستارت»؟

الأثنين 21 من شعبان 1447 هــ
العدد 50834
أعتقد أن انتهاء معاهدة «نيو ستارت» بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا لا يعنى أن الصواريخ ستتحرك تلقائيا غدا، وإنما يعنى أن العالم سيدخل مرحلة عدم القدرة على التنبؤ، والخطر هنا ليس فقط فى زيادة الرءوس النووية، بل فى انعدام الشفافية، وانهيار إجراءات التحقق، حيث فى عالم الاستراتيجيات سوء الفهم قد يكون مكلفا أكثر من سوء النية. لكن هناك تبعات، أو آثارا، لانتهاء هذه الاتفاقية أو المعاهدة، نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، إننا إزاء سباق تسلح نووى جديد، لكن بأدوات القرن الحادى والعشرين، حيث السباق القديم كان يُقاس بأعداد الرءوس والمنصات، أما السباق الجديد فسيُقاس، بالإضافة إلى ما سبق، بسرعة التحديث، ودقة الإصابة، ومناعة أنظمة القيادة والسيطرة، واقتران الهجوم بالدفاع الصاروخى، لأن ما كان يحتاج تبريرا فى ظل معاهدة قد لا يحتاج شيئا فى ظل الفراغ، أيضا من الآثار السلبية لانتهاء هذه المعاهدة تآكل نظام منع الانتشار، فحينما تفقد القوتان الأكبر قدرة تقديم نموذج للضبط المتبادل تتلقى الدول الأخرى رسالة غير مكتوبة مفادها أن «القواعد اختيارية»، وهذا يصنع ضغطا مضاعفا على منظومة عدم الانتشار، ويزيد الإغراء لدى بعض الأطراف لتوسيع برامجه، أو على الأقل رفع سقف التهديد النووى فى الأزمات، كذلك من الآثار السلبية لانتهاء المعاهدة العودة إلى «إدارة الأزمات» بدلا من «منعها»، حيث لا تمنع المعاهدات الخصومة، لكنها تمنع انزلاقها المفاجئ، وفى غيابها تكثر المناورات، ويصبح تقدير النوايا أكثر صعوبة، ومع صعوبة التقدير يأتى خطر الحسابات الخاطئة، أيضا من الآثار السلبية لانتهاء المعاهدة انعكاسها على الأمن الأوروبى والآسيوى ثم على العالم (تصعيد الحديث عن جرينلاند نموذجا)، وهذا مؤشر على اتساع مسرح التنافس، ومع كل توسع ترتفع فاتورة التسلح لدى الحلفاء والخصوم لتضغط على الاقتصاد العالمى، وتُضاعف هشاشة الأسواق، ويصبح العالم أكثر تعرضا لارتدادات سياسية واقتصادية لا يد له فيها مثل التوتر فى سلاسل الطاقة والتجارة. وأخيرا، انتهاء «نيو ستارت» ليس إعلان حرب، وإنما إعلان انتهاء حقبة كان فيها سقف للترسانة، وقاعدة للتفتيش، وكلمة مشتركة اسمها «تَحَقُقُ»، وفى اللحظة التى يغيب فيها التَحَقُقُ لا يبقى سوى التخمين، والتخمين فى الملف النووى ترف لا يملكه العالم.
