زيارة عون لواشنطن ورهان السيادة اللبنانية

الأربعاء 8 من صفر 1448 هــ
العدد 50997
حملت زيارة الرئيس اللبنانى، العماد جوزاف عون، إلى الولايات المتحدة دلالات سياسية تتجاوز نتائج اللقاءات الثنائية إلى طرح سؤال جوهرى يتعلق بمستقبل الدولة اللبنانية؛ إذ جاءت فى توقيت يشهد تحولات إقليمية متسارعة، وفى ظل إدراك متزايد بأن استمرار لبنان كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية لم يعد خياراً قابلاً للاستمرار، سواء بالنسبة للبنانيين أو للقوى الدولية والعربية الساعية إلى استقرار المنطقة. وتكتسب الزيارة أهميتها لأنها تعكس دعما أمريكيا لمسار يهدف إلى إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، وفى مقدمتها الجيش اللبنانى باعتباره الجهة الوحيدة المخولة بحمل السلاح وحماية الحدود، كما تفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وسياسية تستند إلى تطبيق «اتفاق الإطار»، القائم على انسحاب إسرائيلى تدريجى يقابله انتشار كامل للجيش فى الجنوب، بما يعيد للدولة سيطرتها الكاملة على أراضيها. غير أن نجاح هذا المسار لا يرتبط بالترتيبات الأمنية وحدها، بل بقدرة لبنان على الانتقال من منطق المحاور إلى منطق الدولة؛ فقد أثبتت التجارب منذ سبعينيات القرن الماضى أن وجود قوة مسلحة خارج مؤسسات الدولة يعنى أن قرار الحرب والسلم لن يكون لبنانيا خالصا، وهو ما استنزف البلاد سياسياً واقتصادياً. ويبرز خيار الحياد باعتباره أحد أهم عناوين المرحلة المقبلة، إذ إن استعادة لبنان دوره العربى والدولى لن تتحقق إلا إذا أصبح صاحب قرار مستقل، بالتوازى مع تنفيذ إصلاحات اقتصادية وقضائية وإدارية باتت شرطاً حاسماً للحصول على الدعم الدولى واستعادة ثقة المستثمرين والدول المانحة.
لكن العقبة الأبرز أمام هذا التحول تبقى النفوذ الإيرانى، الذى ترسخ عبر دعم حزب الله، بما جعل أى مشروع يعيد القرار الأمنى والعسكرى إلى الدولة اللبنانية يعنى بالضرورة تقليص مساحة هذا النفوذ، وهو ما يفسر تعقيدات أى تسوية مقبلة. وفى هذا السياق، تستعيد الذاكرة السياسية قرار الرئيس الأسبق أمين الجميّل بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، باعتباره خطوة هدفت فى حينها إلى حماية سيادة الدولة فى مواجهة التدخلات الخارجية. ورغم أن زيارة جوزاف عون إلى واشنطن لن تقدم حلولاً فورية، فإنها تمثل اختبارا حقيقيا لقدرة لبنان على استثمار المتغيرات الإقليمية لإعادة بناء الدولة؛ فإذا نجح فى حصر السلاح بيد الجيش، وتطبيق اتفاق الإطار، واعتماد سياسة الحياد، وإطلاق إصلاحات جادة، فسيكون أمام فرصة تاريخية لاستعادة سيادته، أما إذا بقى القرار الوطنى رهينة السلاح والنفوذ الخارجى، فسيظل مشروع الدولة مؤجلاً مهما تبدلت الظروف أو تغيرت التحالفات.
