هل فقد القانون الدولى شرعيته؟!

الأربعاء 16 من شعبان 1447 هــ
العدد 50829
أعتقد أن تنظيم العنف متى اندلعت الحروب يقوم على أساس أخلاقى وقانونى مختلف تماما، فلا مجال للنقاش الأخلاقى عندما يتعلق الأمر بجرائم الحروب، وإن وُجد فيجب إغلاقه فورا، فمحاولات تبرير الأفعال، التى غالبا ما تُبرر على أنها ضرورية أو حتمية ليست باطلة قانونيا فحسب، بل أيضا مفسدة أخلاقيا، والقبول بها من شأنه أن يفرغ القانون الدولى الإنسانى من جوهره، وحتى وإن كان القانون الدولى الإنسانى يطبق بشكل غير متساو، أو شابته ازدواجية المعايير، أو تعرض لانتهاكات متكررة، يبقى السؤال الأعمق: هل يُفقِد عدم الكمال هذا القانون صفته الشرعية؟.. وهل تفقد قاعدةُ ما جدواها لأنها فشلت فى إنقاذ الجميع؟.. وهل تُعد الجهود المبذولة للحد من العنف عبثية لأنها لا تستطيع لجمه؟.. قد يكون صحيحا أن القانون الدولى الإنسانى يحتاج إلى التطور للتصدى للحروب الحديثة، والتقنيات الناشئة، كما تطور مرارا منذ نشأته، غير أن جوهره، لا سيما حماية المدنيين والبنى التحتية المدنية، يجب أن يظل أساسيا، فالتراجع عن هذه المبادئ لن يؤدى إلا إلى فتح الباب أمام مزيد من الوحشية، ولا يجوز مكافأة منتهكى القواعد بالتخلى عن القواعد ذاتها التى وُضعت لتقييدهم، ويجب رفض أى توجه نحو صياغة قواعد جديدة يزعم أنها تتناسب أكثر مع الواقع الجيوسياسى المعاصر، فحتى الدعوات حسنة النية تفترض أن هذه القواعد البديلة ستكتب بنزاهة، لكن الواقع يشير إلى أن الدول الأكثر حماسة للتخلي عن القيود القائمة هى غالبا تلك التى تنتهكها، وأى إطار جديد سيعكس على الأرجح المعايير الدنيا التى تكون هذه الدول على استعداد لقبولها، مما يؤدى إلى ترسيخ حماية أضعف، وإضفاء الشرعية عليها، وهذا لا يعد تكيفا، بل استسلاما، وسيكون المدنيون، الذين يتحملون النصيب الأكبر من ويلات الحروب، هم الأكثر تضررا. وأخيرا، لا يمكننا أبدا إنكار أن القانون الدولي الإنسانى قد أنقذ أرواحا، وصان كرامة البشر، ورسم حدودا لم تكن لتوجد لولاه، وأحيانا، تكفي قاعدة قانونية واحدة- وإن طبقت بشكل غير كامل- لإنقاذ حياة، أو حياة كثيرين، وهذا وحده سبب كاف للدفاع عن الإطار القانونى القائم.
