مرة أخرى.. اليمن فى قلب الصراع

الثلاثاء 14 من صفر 1448 هــ
العدد 51003
لا تقوم استراتيجية الحرس الثورى الإيرانى على كسب الحروب بقدر ما تقوم على منع وصولها إلى الداخل الإيرانى؛ وذلك من خلال بناء شبكة من الأذرع المسلحة خارج الحدود تتولى القتال نيابة عنه وتنقل ساحات الاشتباك إلى العواصم العربية، لتتحول جماعات مثل «حزب الله» و«الحوثيين» إلى أدوات تمنح طهران القدرة على الضغط دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة. واليوم يبدو اليمن أكثر الساحات تعبيرًا عن هذه الاستراتيجية، بعدما تحول من أزمة محلية إلى ورقة إقليمية تتحرك كلما تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران. فكلما اشتدت المواجهة بين الطرفين عاد اليمن إلى الواجهة؛ إذ لم يعد مجرد ساحة حرب أهلية، بل إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية، بعدما أصبحت جغرافيته تؤثر تأثيرًا مباشرًا فى أمن الخليج، واستقرار البحر الأحمر، وحركة التجارة العالمية، وأسواق الطاقة. وتنظر طهران إلى الحوثيين باعتبارهم حليفًا محليًا وذراعًا تفتح جبهة جديدة كلما زاد الضغط عليها، بما يفرض على واشنطن توزيع قواتها بين أكثر من مسرح عمليات، وهذا هو جوهر معادلة «وحدة الساحات»، التى تقوم على إدارة الصراع عبر الحلفاء الإقليميين، ويحتل فيها اليمن موقعًا استثنائيًا بسبب سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية فى العالم. لهذا تحولت هجمات الحوثيين إلى أداة لإعادة رسم قواعد الاشتباك، بعدما أصبحت تضغط على الاقتصاد العالمى برفع تكاليف الشحن والتأمين، وإجبار السفن على تغيير مساراتها، بما ينعكس سلبًا على أسعار السلع وإيرادات قناة السويس. فى المقابل، تواجه الولايات المتحدة معضلة معقدة؛ إذ يعنى توسيع الحرب فى اليمن استنزافًا لقواتها المنتشرة فى أكثر من جبهة، لذلك عاد الحديث عن استئناف العمليات العسكرية ضد الحوثيين، رغم أن الضربات السابقة أضعفت بعض قدراتهم دون أن تنهى التهديد، نظرًا للطبيعة الجغرافية الوعرة لليمن. أما السعودية، فتتعامل مع المشهد بمنطق مختلف؛ إذ تحرص على تجنب مواجهة واسعة، لكنها لا تستطيع تجاهل أى تهديد يستهدف صادراتها النفطية أو أمن البحر الأحمر، خاصة مع تنامى أهمية ميناء «ينبع» كممر لصادراتها بعيدًا عن مضيق هرمز، ولهذا توازن الرياض بين دعم مسار التسوية وحماية أمنها القومى بالتنسيق مع شركائها، إذا ما تحول التصعيد إلى تهديد مباشر للملاحة أو للبنية التحتية للطاقة. فى النهاية، لم تعد المعركة تدور حول صنعاء وحدها، بل حول من يملك التأثير فى شرايين التجارة والطاقة العالمية؛ ولذلك أصبح استقرار اليمن جزءًا أساسيًا لا يتجزأ من معادلة الأمن الإقليمى والدولى.
