2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

الأوكتاجون

الثلاثاء 22 من محرم 1448 هــ
العدد 50982
عادة ما تكون المنشآت العسكرية بعيدة عن الأضواء، بينما تكمن أهميتها فيما يجرى داخلها، لكن مقر القيادة الاستراتيجية الجديد بالعاصمة الجديدة (الأوكتاجون) يفرض قراءة مختلفة؛ لأنه لا يمثل مجرد انتقال إلى مقر أحدث، بل يعكس تحولاً فى نظرة الدولة المصرية إلى إدارة أمنها القومى، فى توقيت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة وتحديات تتجاوز المفاهيم التقليدية للحروب.

فخلال العقود الماضية، تغيرت طبيعة الحروب، فلم تعد المواجهة تبدأ بالضرورة على الحدود، وقد لا يكون أول ما يستهدفه الخصم موقعاً عسكرياً، وإنما شبكة اتصالات، أو قاعدة بيانات، أو منظومة قيادة وسيطرة، لذلك انتقل مركز الثقل من امتلاك أدوات القوة إلى القدرة على إدارتها؛ لأن القرار الخاطئ أو المتأخر قد يهدر إمكانات عسكرية هائلة. ضمن هذا السياق، يمكن فهم إنشاء الأوكتاجون، ففكرته الأساسية لا تقوم على جمع غرف العمليات والجهات السيادية فى صرح عملاق، وإنما على تقليص المسافة بين المعلومة والقرار، وكلما أصبحت البيانات أكثر تكاملاً، وازدادت سرعة تداولها، ارتفعت قدرة الدولة على استيعاب التطورات قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها. ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة فى إقليم لم تعد تهديداته ذات طبيعة واحدة، فإلى جانب الصراعات العسكرية التقليدية، برزت الهجمات السيبرانية، وحروب المعلومات، والطائرات المُسيّرة، باعتبارها أدوات قادرة على إحداث تأثير كبير بأقل تكلفة، وهنا تصبح إدارة الوقت عاملاً حاسماً؛ لأن دقائق قليلة قد تصنع الفارق بين احتواء الموقف واتساعه.

كما يكشف المشروع عن اتساع مفهوم الأمن القومى نفسه، فحماية الدولة لم تعد تنحصر فى تأمين الحدود الجغرافية، وإنما أصبحت تشمل حماية الفضاء الرقمى، وتأمين شبكات الاتصالات، وضمان استمرار مؤسساتها فى العمل مهما كانت الضغوط. لهذا، فإن الاستثمار فى البنية التكنولوجية لم يعد رفاهية تقنية، بل خيار إستراتيجى يرتبط مباشرة بقدرة الدولة على الحفاظ على استقرارها.

ولا يمكن فصل الأوكتاجون عن مسار أوسع لتحديث القوات المسلحة، يقوم على أن التفوق العسكرى لا يتحقق بشراء أحدث المنظومات فقط، وإنما ببناء عقل قادر على إدارتها بكفاءة، فالقوة، فى معناها الحديث، ليست ما تملكه الدولة من سلاح، بل ما تستطيع أن تفعله به، ومتى تقرر استخدامه. لهذا تبدو القيمة الحقيقية للأوكتاجون أبعد من حدود المبنى نفسه؛ إنه يعكس إدراكاً بأن معارك المستقبل ستكسبها الدول التى تسبق خصومها إلى القرار، لا تلك التى تكتفى بالاستعداد للقتال إذا اضطرت إليه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى