2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

مذكرة التفاهم ..والمعركة الحقيقية

الأثنين 7 من محرم 1448 هــ
العدد 50967
قد يبدو توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بداية لمسار تسوية الصراع، لكن التطورات الأخيرة كشفت أن الاتفاق دخل اختباره الأصعب قبل أن يرسخ أقدامه! فما إن بدأ الحديث عن آليات التنفيذ، حتى حدثت انتكاسة، وظهر صراع يدور حول الالتزام ببنود الاتفاق أكثر مما يدور حول تلك البنود ذاتها. فإعلان إيران إغلاق مضيق هرمز كان رسالة سياسية مفادها أن طهران تعتبر أن واشنطن قد أخلت بالتزاماتها؛ فهى تربط استمرار الخروقات الإسرائيلية للتهدئة فى لبنان ومواصلة الهجمات على الجنوب اللبنانى، وما تصفه بعدم التزام واشنطن بالبند الأول من الاتفاق، بانهيار الأساس الذى قامت عليه التهدئة، لتصبح ورقة الضغط الاقتصادية والعسكرية وسيلة للإجبار على الالتزام بما تم التوافق عليه. لكن لا تبدو الولايات المتحدة مستعدة للاعتراف بهذه الرواية؛ فبينما تؤكد استمرار وجودها العسكرى لحماية حرية الملاحة فى مضيق هرمز، تواصل الحديث عن استكمال المفاوضات، فى محاولة للفصل بين إدارة التصعيد والمحافظة على المسار التفاوضى! وهنا تتجلى المفارقة؛ إذ تتحرك الدبلوماسية والضغوط العسكرية فى الوقت نفسه، وكأن كل طرف يسعى إلى تحسين موقعه على طاولة التفاوض قبل تثبيت أى اتفاق. هذه التطورات تعكس أن المذكرة لم تنه الصراع، بل غيرت طبيعته، فلم تعد المعركة الأساسية تدور حول وقف إطلاق النار، وإنما حول تفسيرات وتأويلات الاتفاق، وتحديد الطرف الذى يلتزم به والطرف الذى يخرقه. ويكشف ذلك عن أزمة أعمق وهى غياب الثقة بين الطرفين؛ فإيران تتعامل مع الاتفاق باعتباره التزامًا متبادلاً، لا يمكن تنفيذه بالطبع من جانب واحد، بينما ترى واشنطن أن أى مكاسب سياسية أو اقتصادية يجب أن تظل مرتبطة فقط بتغيير السلوك الإيرانى، لا بمجرد توقيع التفاهم، وبين الرؤيتين، يصبح الاتفاق إطارًا لإدارة الخلاف أكثر من كونه مدخلاً لإنهائه. وبالطبع، فى هذا المشهد، تبقى إسرائيل عنصرًا يصعب تجاوزه؛ فاستمرار هجماتها العسكرية على لبنان لم يعد حدثًا منفصلاً عن التفاهم الأمريكى- الإيرانى، بل تحول إلى أحد محددات تنفيذه، لكن لا تبدو تل أبيب معنية بتقديم تنازلات تتعارض مع حساباتها. لذلك، أصبحت المعركة الحقيقية الآن هى معركة فرض تفسير مذكرة التفاهم؛ فالرهان لم يعد على ما كُتب فى بنود الاتفاق، وإنما على كيفية تطبيقه، ومن يمتلك القدرة على تحويل قراءته الخاصة إلى واقع سياسى وميدانى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى