رهان الوساطة الباكستانية

الأربعاء 4 من ذي القعدة 1447 هــ
العدد 50906
برزت باكستان كلاعب غير تقليدى فى معادلة الشرق الأوسط، متقدمة بخطوات محسوبة نحو لعب دور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران؛ بقيادة قائد الجيش الباكستانى، الفيلد مارشال عاصم منير، الذى نجح فى إدخال بلاده إلى قلب المشهد السياسى، واضعا إياها فى موقع مؤثر ضمن واحدة من أعقد الأزمات الدولية. تتزامن هذه الجهود مع هشاشة الهدنة القائمة بين واشنطن وطهران، فبينما يتنقل رئيس الوزراء شهباز شريف بين العواصم الخليجية لتعزيز الغطاء السياسى، يقود عاصم منير تحركا ميدانيا مباشرا، بدءا من طهران عبر لقاءات مع المسئولين الإيرانيين، مع احتمالات انتقاله إلى واشنطن فى محاولة لبناء جسر تواصل مباشر بين الطرفين، والمعلوم أنه فى العهد الترامبى الثانى كان عاصم منير، القائد العسكرى الأجنبى الأول الذى استقبله الرئيس ترامب فى البيت الأبيض ضمن جولة استغرقت نحو 10أيام فى الولايات المتحدة لم يفصح عن كنهها. ولا شك في أن الإدارة الأمريكية تدرك جيدا أنه رجل قوى يمكن الاعتماد عليه، كما يعكس هذا التحرك إدراكا باكستانيا عميقا بخطورة المرحلة، فى ظل تصاعد الضغوط المتبادلة، فالولايات المتحدة تمارس حصارا بحريا خانقا على إيران، مستهدفة تقليص صادراتها النفطية، بينما تلوّح طهران بخيارات تصعيدية تشمل توسيع نطاق التوتر فى الممرات المائية، وبين هذين المسارين، تتقلص مساحة الوقت المتاح أمام الطرفين، مع تزايد التكلفة الاقتصادية والسياسية على كليهما، وفى هذا السباق المحموم تبدو الوساطة الباكستانية كأنها محاولة لالتقاط اللحظة قبل الانفجار، فإسلام آباد لا تطرح نفسها فقط كقناة اتصال، بل كطرف قادر على تقديم مخرج يحفظ ماء وجه الجميع، وقد يتمثل ذلك فى تمديد الهدنة الحالية، أو التمهيد لجولة جديدة من المفاوضات، ولم يأت اختيار باكستان اعتباطا، بل نتيجة تراكم دبلوماسى طويل، خاصة مع واشنطن، حيث لعبت تاريخيا دور حلقة الوصل فى التقارب الأمريكى- الصينى أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، كما حافظت باكستان على توازن دقيق فى علاقاتها مع طهران، فلم تسمح باستخدام أراضيها لضرب إيران، رغم استمرار التعاون العسكرى مع الولايات المتحدة فى سياقات أخرى، وهو ما عزز ثقة إيران بها كوسيط، ونأمل أن تحقق باكستان اختراقا حاسما، بعد أن استطاعت أن تفرض نفسها كوسيط ذى وزن فى لحظة حرجة.
