شرودر.. كلمة السر بين روسيا وأوروبا!

الأربعاء 25 من ذي القعدة 1447 هــ
العدد 50927
منذ اندلاع الحرب الأوكرانية بدت العلاقات بين روسيا وأوروبا وكأنها وصلت إلى نقطة اللاعودة، حيث العقوبات المتبادلة، والقطيعة السياسية، وحالة غير مسبوقة من انعدام الثقة، لكن فى خِضم هذا المشهد المتوتر، أعاد الرئيس الروسى فلاديمير بوتين طرح اسم المستشار الألمانى السابق جيرارد شرودر باعتباره الشخصية «الأنسب» للوساطة بين موسكو والاتحاد الأوروبى، فى محاولة روسية لإعادة فتح نافذة الحوار مع أوروبا عبر رجل لا يزال يحتفظ بخيوط اتصال مع الطرفين.أعتقد أن حديث بوتين عن شرودر لا يمكن فصله عن إدراك روسى متزايد بأن الحرب مهما تطل لا يمكن أن تنتهى عسكريا فقط، بل تحتاج إلى تسوية سياسية تعيد صياغة العلاقة بين روسيا والغرب، ومن هنا تأتى أهمية شخصية مثل شرودر الذى يمثل بالنسبة لموسكو (الأوروبى القادر على الفهم)، وليس فقط السياسى السابق المرتبط بعلاقات شخصية مع بوتين، لأن شرودر ليس مجرد مستشار ألمانى سابق، بل أحد آخر السياسيين الأوروبيين الذين حافظوا على قنوات تواصل مفتوحة مع الكرملين بعد الحرب، رغم أن علاقته الوثيقة ببوتين، وعمله فى شركات الطاقة الروسية، جعلاه محل هجوم دائم داخل ألمانيا وأوروبا، حتى تحول إلى شخصية شبه معزولة سياسيا، لكن المفارقة أن ما اعتبرته أوروبا «عبئا سياسيا» تراه موسكو «ميزة تفاوضية»، لأن شرودر يفهم العقل الروسى، وفى الوقت نفسه يعرف جيدا آليات صنع القرار الأوروبى، وتكشف هذه المفارقة عن أزمة حقيقية لا يُغض عنها الطرف؛ فالقارة التى قطعت قنوات الاتصال مع موسكو تجد نفسها اليوم أمام حرب طويلة استنزفت الاقتصاد، ورفعت تكاليف الطاقة، وأوجدت مخاوف أمنية متزايدة، لذلك فإن روسيا تدرك أن جزءا من أوروبا بدأ يبحث، ولو بصمت، عن مخرج سياسى يوقف النزيف المستمر، وهنا يظهر شرودر باعتباره «رجل المرحلة»، لأنه يمثل نموذجا لسياسى أوروبى يؤمن بأن المصالح المشتركة بين روسيا وأوروبا أكبر من منطق القطيعة الدائمة. لذلك فإن بوتين حين يتحدث عن شرودر فهو فى الحقيقة يبعث برسالة إلى أوروبا مفادها أن موسكو لا تزال مستعدة للحوار، لكنها تريد حوارًا قائما على مراعاة المصالح وليس على سياسة العزل والعقوبات.
