أربع سنوات من الأهرام العربى

لم يكن فجرا كاذبا، بل عفيا وصحيحا، ولحظة بزوغ الأهرام العربى فى سماء الصحافة العربية أو فضاء الإعلام الكونى فى عصر السماوات المفتوحة قبل 4 سنوات، تحديدا فى 29 مارس 1997، متزامنة مع عصر العولمة، بما فيه من حرية انتقال السلع والخدمات والأفكار، كان يلزم أو يفرض على أقدم شعوب الأرض وأكثرها حضارة، وجذورا فى الأرض، أن تتغير، وأن تسبق الجميع بما تمتلكه من إمكانات ومناخ وظروف ولغة وعقيدة تؤهلها أن تواكب المتغيرات العالمية الرامية، إلى تحول الدول إلى مناطق متحدة ومتماسكة، كغيرها من شعوب الأرض فى أوروبا والأمريكتين وآسيا، فإذا بالظروف العربية التى خلقت مع التسعينيات تضع شعوبنا فى موقف ليس حربا باردة فقط كما صنفت العلاقات العربية ـ العربية عبر تاريخها المعاصر، فالظروف الإقليمية وحرب الخليج الثانية حولت الحروب الباردة إلى حروب ساخنة ودماء وأزمة مستحكمة مازالت ظلالها تلاحق الجميع، ولم يُجْد معها مرور عشر سنوات أو تحرير الأرض، أو مؤتمرات القمة، وعناصر التدخل الإقليمى والعالمى، لتضاف إلى أزماتنا، التى لم تحل، معضلة جديدة، يقف الجميع أمامها حائرين، أنظمة حكم لا يمكن تغييرها، ولا تقبل بالتسامح، ولا تقبل بالمساومة على أفكارها الفاسدة حتى النصر المزعوم، وشعوب قهرتها الهزيمة والضعف، حتى فى التفكير فى واقعها المؤلم، وأمام الحال الصعبة كانت تتبدد الموارد ويتبخر الأمل، وتتحول السنوات لتصبح كابوسا يكتم أنفاس الأمة، ويعوق تقدمها ونموها إلى الأمام، وتضيع الأحلام، ويصبح القريب الشقيق مصدر خوف وقلق، ورمزا للعنف والسرقة، ويتحول الغريب الأجنبى، الطامع فى الأوطان والزموال، ليصبح مصدرا للأمن والثقة. والحقائق على أرض الواقع تقول هذه الكلمات بلا شعارات جوفاء أو لغة رطانة ومباهاة بعسكرية فاشلة، لم تجلب على أهلها إلا الفقر فى الحاضر، والخوف من المستقبل، ومازال هناك من يتكلمون نفس اللغة، ويستعرضون نفس الجنود والأعداد بالملايين.. لتحرير الأرض التى سلبت منذ 50 عاما، ولم ينتبهوا للأرض والأهم للناس الذى يعيشون على الأرض أو فيها، قبل أن يضيعوا ويهربوا أو يسرقهم الآخرون، لأنهم لم يعودوا يثقون بلغة الأوهام والعنتريات التى تبرر كل شىء، ولا يستعصى عليها أن تبتلع الهزيمة، وتحولها إلى نصر، وتقبل الفقر والمرض والانهيار لتجعله رمزا للصمود والتصدى، وعدم قبول الآخر..
لغة صعبة، ومناخ صعب، ولدت فيه الأهرام العربى وحاولت أن تغرد خارج السرب ، وأن تعيد العقول إلى القلوب، وتوحد بين الإخوة وأن تنبهه إلى الزمن الضائع، والأجيال التى تقف فى طابور طويل تنتظر الأمل الغائب، وتحلم بأن تنصر العقل السليم، وأن تقتل مارد الخوف، وتعيد الحلم وتترك الوهم، وطرحنا لغة جديدة محورها طريق التقدم ومسئولية الكلمة، بلا خوف أو نفاق للجماهير والحكام معا، وصغنا حركة الناس، كل الناس، بلا أيديولوجيات ثبت عجزها، ولم تهزنا الحكومات أو الزعامات السياسية التى وضعها إعلامنا الرسمى فوق رءوسنا حتى عجز عن التفكير بعيدا عنها، أما نحن فقد تركنا الحرية للفكر واحترمنا لغة الاختلاف، حتى ولو لم نقتنع، وتركنا كل الزهور تتفتح، ولم ننغلق وراء أفكارنا وما نقتنع به، بل قلنا دائما، وآمنا فى كل عمل، بأن الرأى الآخر دائما أفضل، وأن مهمتنا أن نطرح كل الأفكار والآراء ونترجم ما نحلم به، إعلام حر، لا يتخندق وراء الوطنية الزائفة، ويحمل شعارات بلا مضمون حقيقى، حتى يرفضه كل الناس بمن فيهم من حمل شعاراتهم، حتى آخر طفل أو مواطن من بنى وطنه، ورفضنا أن ننافق حكاما أو بلدا أو نكسب شعبا على حساب شعب، بل مجدنا وطنا ولغة وعقيدة، وثقافة، هى عروبتنا، وآمنا بأن الإنسان العربى واحد، أينما كان سواء كان شرقيا أم مغربيا أم خليجيا، أم آسيويا أم إفريقيا، غنيا أم فقيرا أم متعلما، فى أهم الجامعات العالمية أم فى جامعاتنا المحدودة، بدويا أم ريفيا، العربى واحد، لغة وثقافة وقدرة، وسوف نصبح عالما واحدا متقدما وفعالا فى محيطه ودنياه، ولن تهزمه قوة خارجية أو داخلية أو تخلف طارىء أو مزمن ، لكنه سوف يتجاوز كل شىء ويبنى عالمه ويهزم كل من حاول أن يهزمه أو يهمشه أو يسلب حقوقه، وهذا الإيمان لم يأت إلينا من معطيات واقعية، لكن من رؤية عميقة لمعدن العربى وجذوره وقدرته على التحمل، ثم إخراج معدنه من تحت التراب والظروف الصعبة.
ولذلك صمدت الأهرام العربى وراء فكرتها، واستطاع شباب من الصحفيين أن يعبروا عن عروبتهم ووحدتهم، وطموحهم، ورؤيتهم المستقبلية، بلغة سهلة بلا شعارات أو طنطنة وبلا مباشرة، بلغة صحفية متميزة وراقية، وصلت إلى القلوب والعقول، واحتلت فى سنوات وجيزة مكانة رفيعة فى عالم الإعلام بلا ضجيج أو طبول تضرب حول الأوتار الحساسة، وقد وضعوا نصب أعينهم أن من يراهن على المستقبل لا يبحث عن المكسب السهل أو السريع.
ولم يكن حلمهم فقط أن يحققوا كسبا فى عالم السياسة، لكنه فى عالم الحياة، فكانت مجلتهم تعبيرا عن تكامل احتياجات الإنسان المعاصر، من سياسة واقتصاد وحياة ناس، ومن دين وثقافة وفن رفيع، تنمى العقل والوجدان، وقدموا كل جميل وحى فى عالمنا العربى بلا تحيز أو قطرية، بل كان كل حدث مميز أو فكر حقيقى على امتداد عالمنا وأقطارنا العربية، هو حدث مهم ومتميز بدون تحيز أو تعصب قطرى نرفضه، بل نشيع فى محيطنا رغبتنا وسعينا إلى أن نكون عالما واحدا نتنافس مع الآخرين، ونحافظ على هويتنا وقوميتنا فى عصر نُطحن فيه بقوميات غازية أو ضعف يدب فينا، ويشعرنا بعجزنا وتسليمنا للآخرين.
ولن نقول إن الحلم قد اكتمل، لكننا لن نتوقف وسوف نوسع قاعدتنا العربية من محررين وكتاب من كل قطر، يكونون مؤمنين بعروبتنا ووحدتنا، ويقولون معنا ومع شوقى.
نصحتُ ونحن مختلفون دارا
لكن كلنا فى الهم شرق
ويجمعنا إذا اختلفت بلاد
بيان غير مختلف ونطقُ
وإذا فعلوا فخير الناس فعلا
وإن قالوا فأكرمهم مقالا
وإن سألتهم الأوطان أعطوا
دما حرا وأبناء ومالا
لكننا نتطلع إلى أن تشعر بنا الحكومات وأجهزة الرقابة التى تشل أيدينا ورغبتنا فى الوصول إلى قارئنا فى كل أرجاء وطننا العربى الكبير، وأن تعى الرقابة أننا نعيش فى عالم بلا أسوار، وأن تحترم طموحات شعوبنا التى تريد أوطانا متقدمة وشعوبا حرة.
وأرى آمال الأهرام العربى فجرا حقيقيا، يحدث فى تحرير شعب فلسطين، وقيام دولته المستقلة بأعلام ترفرف فى كل ربوع القدس وفوق المسجد الأقصى.
وأن يحل السلام والتحرير فى كل أراضينا المحتلة، من فلسطين وسوريا ولبنان وجزر الإمارات المحتلة.
ونتفرغ لحل مشاكلنا الداخلية، وبناء نظام سياسى يقوم على احترام الشعوب فى اختيار قياداتها فى ديمقراطية حقيقية، منظمة تنمو عبر مؤسسات وبنية أساسية تسمح لكل أبناء الوطن بأن يكونوا فاعلين فى كل الربوع بدون تهميش فئة أو ثقافة أو جماعة، وعلى هذه المؤسسات أن تحترم القانون وتؤمن بمستقبل واحد للأمة.
ساعتها سينمو الاقتصاد وتقام السوق العربية المشتركة، وسيسمح للعربى بأن ينتقل بحرية فى ربوع أوطانه، كما يسمح للسلع والخدمات والأفكار والمؤسسات بأن تتحرك فى سوق واحدة متكاملة ومتنافسة مع الغير بما يحقق مصالحها ومصالح ومستقبل شعوبها المتحدة والمتماسكة.
وحينئذ سوف ترتفع مكانة العربى عالميا، وسيزداد إسهامه فى بناء الحضارة الإنسانية المعاصرة، كما كان عبر التاريخ مؤسسا وبانيا للحضارة.
وعندها لن يبقى الحلم حلما بل سيتحول إلى واقع وقدرات وإمكانات تتحرك وتصنع المعجزة وسنكون قد استطعنا أن نترجم مقال الأستاذ إبراهيم نافع فى تقديم العدد الأول من المجلة فى الأهرام بعنوان حلم قديم.. وآمال عريضة الذى نوه فيه بدور الأهرام العريق منذ نشأته فى التعبير عن الآمال العربية وتشكيل وجدان العرب.
لقد كان الأهرام منذ صدوره فى عام 1876 جامعة عربية مصغرة من قبل أن تتشكل الجامعة العربية رسميا فى عام 1945، وعند صدوره لأول مرة كان له مندوبون فى كل بلاد العرب، فى مدن الشام والعراق والخليج، وقد أرخ الأهرام للعرب منذ عام 1880.
ولعله من الفأل الحسن أن يتزامن دخولنا العام الخامس من عمر الأهرام العربى بالتطورات السياسية التى تحدث فى منطقتنا عقب انعقاد أول مؤتمر قمة عربى دورى فى عمان فى مارس 2001، الذى أعاد دور مؤسسة القمة للعمل العربى، كما سطر بداية جديدة لمؤسسات العمل العربى المشترك باختيار أمين عام جديد للجامعة هو عمرو موسى، الذى منح صلاحيات تطوير مؤسسات هذه الجامعة العريقة ليجعلها تتناسب مع التطورات المعاصرة، وتنقل العرب إلى درجة جديدة من التعاون والتنسيق والبناء المؤسسى القوى للعمل العربى، لا تجعلنا نشعر بأن مؤسساتنا وتنسيقنا أقل من الأوروبيين، فى حين أن ما يجمعنا أكثر منهم وأكثر تماسكا، لكن مصالحنا وروابطنا وعملنا المشترك مازالت بالنسبة إليهم طفلا يحبو أو مؤسسات شكلية لا دور حقيقىا.
كما نشعر بأن المؤتمر الاقتصادى القادم الذى اقترحه الرئيس حسنى مبارك أمام القمة العربية فى عمان، سيكون أكثر ضرورية لعودة القوة والسيطرة للعمل العربى المشترك، قبل أن نسقط فريسة للأسواق والمقترحات الغربية والإسرائيلية الرامية إلى سحب البساط من تحت أقدام العرب فى منطقة الشرق الأوسط.
لكن قرائى الأعزاء اسمحوا لى أن أنوب عنكم أشد على أيدى كتاب وصحفىى ومراسلى مجلة الأهرام العربى ومجلس تحريرها، وأن أقول لهم إنكم استطعتم أن تثبتوا وجودكم فى هذه السوق الصعبة بجدارة واستحقاق وتفوزوا بثقة قارئكم العربى فى كل مكان، وأرقام التوزيع المتزايدة تؤكد ما نقول، لكن النجاح الصحفى ليس له حدود ولا يعرف التوقف، وأن عددكم الأول من العام الخامس يعيد إثبات أنكم لا تعرفون حدودا للنجاح، ولذلك جاء عددا جديدا تماما بدون تكلف أو اصطناع.
فإلى الأمام.. وكل عام وأنتم وأمتكم بخير

