مقالات الأهرام العربى

جرائم إسرائيل وأمريكا

فى الأيام العشرة الأخيرة.. لن يمحوها انسحاب الإسرائيليين.. وقيام الدولة الفلسطينية.

خارج الزمن

كثيرون يعيشون خارج الزمن، يدفعون الأمور بعقليات جاهلة ومتعصبة ومتحجرة، لا تدرى ما العواقب، فتزرع الكراهية والحقد، وهم أول من يصاب بالأذى، ولعلنا الآن أمام ظاهرة نادرا ما تتكرر، وشاء قدرنا أن نراها، ونلمس دمويتها، أعنى ظاهرة شارون.

فقد جاء من الزمن الماضى إلى عام 2002 حاملا عقلية ˜هتلرŒ، ونيرونŒ، وخطورة ظاهرته أنه جاء فى عصر جديد ليرتكب جرائمه أمام العالم كله، وأصبحت الجرائم والمجازر ، صناعة إسرائيلية فى الشرق الأوسط.

ولم تقم الدولة الإسرائيلية إلا على  أكتاف الجزارين، وموسوعة ˜جينيسŒ إذا حصرت مجازر إسرائيل لاحتلت الرقم القياسى ولا أحد يستطيع أن ينازعها فى ذلك، منذ دير ياسين 48، مرورا بمجازر الدوايمة والصفلاف 53 ومجزرة قبية بسوريا 1970، وأبوزعبل مصر 1970، ومجزرة بحر البقر مصر 1973، ومجزرة المسجد الأقصى، ومذبحة الحرم الإبراهيمى 1994، مجازر لا تحصى، مرورا بمجازر لبنان، وصابرا وشاتيلا، وقانا.

وقامت بكل هذا المجازر حتى وصلنا إلى المحرقة الفلسطينية خلال الأيام العشرة الأخيرة، وما شهدته جنين وبلاطة، ونابلس ورام الله، إلا نموذج لانعدام الضمير، ليس الإسرائيلى وحده، بل العالمى، الذى ترك تحت سمع وبصر العالم جيشا مدججا بكل الأسلحة، يستأسد على مدنيين وأهال فى بيوتهم، وعلى المهجرين والمطرودين من بلادهم فى المخيمات، يقتل ويقصف البيوت بالطائرات، وهم تحت الاحتلال، مجازر بشعة لا يقدر عليها إلا شارون، فلا يمكن لأى عاقل أو أى جيش، أن يقتل المدنيين العزل بهذه الهمجية والعدوانية البغيضة، وما لا يفهمه شارون أن ما فعله وما وصلت إليه المنطقة جعل إراقة الدماء خارج السيطرة، وسيؤدى إلى تعميق الحقد والخوف، وسيزرع الرغبة فى الانتقام.

فالألغام التى زرعها شارون فى النفوس ستنطلق على الدوام، وستجعل أمن الإسرائيليين، كما يطمح صاحب المجازر، مستحيلا، حتى ولو توصل إلى اتفاق يوقف إطلاق النار، كما يرغب كولن باول خلال زيارته للمنطقة، وهو مطلب آخر مضلل، فليس هناك جيشان يتبادلان النيران، فهناك الإسرائيلييون وحدهم يقتلون ويعيثون فى الأرض فسادا، وبعض المقاتلين أو الفدائيين الفلسطينيين الذين يقاومون بشجاعة الاحتلال، ويرفضون أن تفرض عليهم إسرائيل بقوتها وبالحديد والنار الاستسلام، وضياع الحقوق، وتبديد الآمال فى حياة مستقرة هانئة.

أنهار الدماء التى سالت فى الأرض المحتلة ستبنى سورا حديديا فى النفوس، ولن تشيد سورا دفاعيا كما يتطلع شارون لاستئصال المقاومة، فكل شهيد، وكل دماء سالت لن تروى الأرض، لكن ستجعل النفوس ظامئة للمزيد من الدماء للانتقام ، خاصة أن كل الضحايا من المظلومين ومن المدنيين الذين لا حول لهم ولاقوة، وراءهم شعوب عربية من كل الاتجاهات، شعروا وعرفوا أن إسرائيل لا أمان لها، وأنها نموذج للجبروت ولقهر الشعوب والاستيلاء على حقوقهم، العداء والأسوار التى بنيت بين العرب والإسرائيليين أصبحت عميقة وذات جدران سميكة لا يمكن اختراقها.

ما تحقق فى عقدين من الزمن استطاع شارون فى عام واحد أن يزيحه، ويبنى مناخا جديدا من التوتر والعداء، يلزم المنطقة بتجهيز ليس الجيوش فقط، لكن بناء الفدائيين والمقاومين وإعداد المجتمع فى كل مكان، لمقاومة الإسرائيليين وغدرهم، إسرائيل شارون، استطاعت أن تبنى وتغير العالم العربى والإسلامى كله، بل أعادت إلى الضمير العالمى الخوف من قوة وجبروت الإسرائيليين، وأصبح العالم يحتاج إلى أن يسلح نفسه لمواجهة النازية الجديدة.

سوف تكتشف إسرائيل مع الأيام حجم جريمة شارون، وإذا كان العرب مطالبين بتقديم صحيفة جرائم شارون، كمجرم حرب عنيد، لمحاكمته، فإن الإسرائيليين بلاشك سوف يقدمون شارون للمحاكمة لأنه بدلا من أن يرعى مصالحهم ويوفر لهم الأمن والاستقرار فى المنطقة التى يعيشون فيها، فتح باب جهنم أمامهم على مصراعيه، وأصبحوا اليوم يواجهون مخاطر وعداوات لا يمكن أن تواجهها كل أسلحة العالم، والإسرائيليون يجب أن يخافوا جدا، ويتسلحوا بكل الأسلحة، فالدماء التى سالت ستطلب القصاص، وسيكتشفون أنهم لكى يتخلصوا من مشاكلهم ويحاولوا أن يكفروا عن ذنوبهم، ويقدموا شارون إذا كان حيا للمحاكمة، وإذا كان قد فارق الحياة، فليقدموا تاريخه والمجازر التى اقترفها للمحاكمة لتبرئة الضمير العام فى بلادهم الذى أصبح موصوما بجرائم شارون، الذى ولد مجرما وسفاحا، ويجب أن تنزع عنه لقب الجنرال أو المحارب، فالجنرالات والمحاربون لا يقتلون المدنيين ولا يرتكبون المجازر فى الشوارع وفى ساحات المخيمات، لكن بطولتهم تكون فى المعارك، وليست معارك رخيصة، تخسر فيها الجيوش شرفها، وتوصم بالعار، ويلاحقها الخزى والمهانة، لأن الجنود الأشاوس يقتلون الأطفال والنساء ويستأسدون على الشعوب، وكل جريمتها أنهم يتوقون إلى الحرية، وأن يعيشوا مثل كل شعوب العالم على أرضهم.

ومن يعيشون خارج الزمن، هم أعضاء حكومة الرئيس جورج بوش والتى أفقدتها أحداث 11 سبتمبر صوابها العقلى وحكمتها، وجعلتهم يخافون من كل شىء ويتنصلون من مسئولياتهم العالمية، بل يقعون أسرى وفريسة لشارون الذى  صور لهم كل معاركه على أنها ضد الإرهاب، وكان الموقف غريبا ومتناقضا مع بوش وحكومته، بل إنهم يتحملون وزر جرائم شارون لإبادة الشعب الفلسطينى وتشريده من أرضه، وسوف تصل الحالة الآن فى الشرق الأوسط إلى مأزق لا يمكن تصوره على مستقبل العلاقات الأمريكية ­ العربية، فالعرب سوف يتزايد شعورهم بالعداء والكراهية للأمريكيين وتحميلهم بجرائم شارون والمسئولين عن انهيار عملية السلام والاستقرار الإقليمى، فبدلا من حالة التحالف المشترك بين العرب والأمريكيين فى حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت، وتحالفهم مع الأمريكيين فى مواجهة الإرهاب، ينطلق الشارع العربى إلى رفض كل أشكال التعاون مع الأمريكيين، بل ومطالبته بعدم التعاون، فلأول مرة فى المنطقة العربية يصل وزير الخارجية الأمريكى كولن باول، ويشعر المسئولون الرسميون فى كل البلاد العربية بالإحباط لاستقباله، بل يرون فى  الحكومة الأمريكية عجزا وعدم قدرة على الفعل، لأن فشل رحلة نائب الرئيس الأمريكى تشينى التى سبقتها بأسابيع، وبداية المجزرة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين بعدها مباشرة، جعل الشارع العربى يرى الأمريكيين مسئولين بل متواطئين على الجريمة النكراء التى ارتكبت فى حق المدنيين الفلسطينيين بواسطة جنود شارون وجيشه، ولم تنفع أو تجد فى تهدئة الخواطر كلمة بوش، ومطالبته إسرائيل بالانسحاب الفورى من الأراضى المحتلة.

ما ارتكبته أمريكا وبوش وتشينى وباول وكوندوليزا رايس، جريمة كبرى فى حق العرب والفلسطينيين، جعلت الجميع يفقد المصداقية فى الولايات المتحدة، بل يخلق شعورا بالرفض والكراهية، وحالة من العداء لم تشهدها منطقتنا وشعوبنا من قبل.

جريمة شارون يتحملها بوش، ويجب أن يدفع ثمنها الاثنان معا، والصورة القاتمة الآن لا تنفع فيها مباحثات، أو طلب بوقف إطلاق النار أو الانسحاب الحزئى، لكن الانسحاب الكلى، وإعلان قيام الدولة الفلسطينية، ومحاولة تضميد جراح الفلسطينيين وتقديم التعويضات الكبيرة لهم، ولا أتصور إذا حدث ذلك، أنه سيمحو جرائم الأيام العشرة الأخيرة، لكن الزمن كفيل بأن يدفع كل مجرم ثمن جريمته، والحق والحرية سوف ينتصران، وسوف يحصل الفلسطينيون على دولتهم، وسوف يدفع الإسرائيليون والأمريكيون ثمن جرائمهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى