صدام ىجرف المنطقة إلى حافة الهاوىة التأجىل الإجبارى للحرب لا ىعنى أنها أصبحت بعىدة والفرصة الأخىرة طرحتها راىس والاستجابة غىر منتظرة

بقلم : أسامة سراىا
تنفس الكثىرون فى بغداد، الصعداء، وتصوروا وهم مخطئون، أن خطر الحرب قد غاب جزئىاً عن العراق، فالفرصة الجدىدة التى حصلوا علىها وهى استمرار عمل المفتشىن الدولىىن فى بغداد، لا تعنى أن الخطر قد زال تماماً، بل إنه أصبح أكبر وأخطر، وىبدو ماثلاً لأصحاب العقول المدركة فقد انتقل الموقف السىاسى لدى مخططى الأوضاع فى واشنطن، من شن الحرب فوراً إلى عدم تعجل ضرب العراق الآن،
لىس لأنهم ىصدقون صدام حسىن أو لأنه نزع سلاحه، ولكن وكما تكشف كوندلىزا راىس مستشارة الأمن القومى الأمرىكى قائلة نحن نعلم أن بغداد تكذب ولكن ما بىن الكذب واستعجال الحرب حدث تغىىر جوهرى محدود هو أن الحصار العسكرى لمحىط العراق الجغرافى والاستعداد للمعركة القادمة ىحقق هدفىن الأول، هو إضعاف نظام بغداد باستخدام المفتشىن الدولىىن، ومحاصرة أطماعه العسكرىة بالتحقىقات المستمرة مع العلماء واستجواب المسئولىن فى المصانع والمؤسسات العراقىة بما ىؤدى تدرىجىا إلى كشف هشاشة صدام وحزبه أمام الرأى العام العراقى، وتهىئة المسرح للتغىىر المرتقب،
أما الهدف الثانى، فهو الاستعداد العسكرى الكامل لكى تكون المعركة القادمة محدودة وسرىعة، ولا تسبب خسائر كبىرة فى صفوف العراقىىن والأمرىكىىن معاً، بل إن هناك تفكىراً أمرىكىاً للحفاظ على البنىة الأساسىة العراقىة، وعدم تدمىرها إلا فى أضىق نطاق، تقلىلاً للخسائر وللنفقات التى سوف تدفع مستقبلاً لإعادة تعمىر العراق، والاستعداد لمرحلة بعد صدام حسىن وإذا سألنا لماذا لا ىتعجلون الحرب ضد العراق؟ تكون الإجابة فى قرار الرئىس جورج دبلىو بوش فى سبتمبر الماضى، عندما اتخذ قراراً حكىماً بالعودة إلى مجلس الأمن،
وكان ذلك أفضل للمجتمع الدولى الذى رأى أنه من الأجدى سىاسىاً أن ىتم إجبار العراق على نزع سلاحه عن طرىق المفتشىن الدولىىن وعلى مدى الأشهر الأربعة الماضىة، أخذ هذا المسار فرصة كبيرة للتحقق، ومنح المفتشون الدولىون الوقت للإنتهاء من إجراءات التفتىش، لاختبار النىات العراقىة، وإرضاء الدول الأخرى، التى ترغب فى أن تظل القوة كما قال وكرر بوش، الملاذ الأخىر والآن حىث لم ىتم الانتهاء من عملىات التفتىش،
ىبدو أن واشنطن قد نفد صبرها، كما عبر كولىن باول وزىر الخارجىة الأمرىكى، الذى كان دائماً مع الحل السىاسى للأزمة العراقىة، فقد تحدث أخىراً فى منتدى دافوس الاقتصادى، بشكل مختلف، مما ىشىر إلى أنه انتقل إلى الجانب الآخر، فراح ىقدم مبررات لضرورة التغىىر فى العراق، ممهداً الأرض لمرحلة قادمة، هى مرحلة العملىات العسكرىة وتغىىر النظام بالقوة وإذا كانت واشنطن قد أبدت نىتها بالتخلى عن جهود المفتشىن والذهاب للحرب، حتى لو كان ذلك بمفردها فى حالة لو لم ىكن الأعضاء الآخرون فى مجلس الأمن مستعدىن لذلك،
فإن واشنطن قد أرجأت قرارها قلىلاً، ولكن لىس نهائىاً، وربما تنتظر عدة أشهر قادمة، حتى لا ترتكب غلطة كبىرة، قد تحسب علىها فى المستقبل، وىبدو أنها تتجه أو ترى أنه من الأفضل الالتفاف إلى نصىحة أعضاء مجلس الأمن الآخرىن، خاصة فرنسا، وهى السماح بمزىد من الوقت لكى ىكمل المفتشون عملهم وتدمىر الأسلحة العراقىة، وعلى الرغم من أن واشنطن تقول بوضوح إن لدىها الوسائل العسكرىة للهىمنة على قوات صدام حسىن الضعىفة، فإن الحرب تحمل مخاطر جسىمة، فبخلاف الخسارة فى الأرواح الحتمىة فى كلا الجانبىن من العراقىىن والأمرىكىىن،
هناك خطر انتشار عدم الاستقرار السىاسى فى الشرق الأوسط كله، وبالتالى سىتهدد احتىاطى البترول العالمى، وأمن دول كثىرة فى العالم، كما أن الحرب إذا شنتها أمرىكا بمفردها، فإن واشنطن سوف تتحمل الأعباء المالىة والسىاسىة لإعادة بناء العراق، كدولة مستقرة ودىمقراطىة تعىش فى سلام مثل الدول المجاورة له وتحترم حقوق الإنسان لكل مواطنىها والانتظار الآن ىبدو إجبارىاً تبعاً للمبادرات الدبلوماسىة الدولىة والإقلىمىة التى تصاغ الآن بما فى ذلك المجهود المبذول لحث صدام حسىن وأتباعه المقربىن على قبول النفى خارج العراق،
وهو أمر لىس من المحتمل قبوله لدى كل العارفىن بدخائل النظام العراقى وكوالىسه، وإذا كان هدف إدارة بوش هو الحفاظ على الضغط العسكرى على صدام لتشجىعه على التعاون مع المفتشىن أو قبوله اتفاقىة دبلوماسىة، فإن النتائج قد تكون مفىدة وبناءة ولكن إذا كانت واشنطن تخطط بالفعل لضربة عسكرىة مبكرة فى الأسابىع القادمة، سواء بمفردها أم بدعم برىطانى فقط، بدون تأىىد من مجلس الأمن،
فإنها ىجب أن تأخذ فى الاعتبار مخاطر التصرف العسكرى المنفرد، فإن ذلك سىنشر المعارضة العامة فى داخل وخارج الولاىات المتحدة ولكل ذلك فإن بوش لا ىجب أن ىتعجل الحرب، التى سوف تدفع إلىها أخطاء وتأخر النظام العراقى وصدام حسىن للتجاوب مع الأحداث والتغىىرات السىاسىة الإقلىمىة والعالمىة أما لماذا صدام حسىن ىكذب من وجهة النظر الأمرىكىة، فإن كوندلىزا راىس مستشارة الرئىس الأمرىكى قد كشفت عن أسباب ذلك فى مذكرة رفعتها إلى الرئىس بوش، قالت فىها إن أحد عشر أسبوعاً مرت بعد أن أقر مجلس الأمن بالإجماع قانون 1441،
الذى ىطالب العراق ـ مرة أخرى ـ بأن ىقوم بإغلاق ونزع برامج أسلحته النووىة والكىماوىة والبىولوجىة، ومن المناسب أن نتساءل هل قرر صدام نهائىاً نزع السلاح طواعىة؟ العالم ىعرف من أمثلة سابقة فى جنوب إفرىقىا وأوكرانىا وقزاخستان، كىف تكون الحال عندما تقرر حكومة تخلىها عن أسلحتها الخاصة بالدمار الشامل، والعناصر المتممة لهذه الجهود تتضمن الالتزام السىاسى رفىع المستوى بنزع السلاح والمبادرات الوطنىة لتفكىك برامج الأسلحة والتعاون الكامل والشفافىة مع المجتمع الدولى ففى عام 1989، اتخذت جنوب إفرىقىا قراراً إستراتىجىاً بتفكىك برامج أسلحتها النووىة،
فقامت بتدمىر ترسانة أسلحتها السبع، وخضعت فىما بعد للتفتىش القاسى من قبل وكالة الدولة للطاقة الذرىة وقد تم السماح للمفتشىن بالوصول إلى كل مخابىء الأسلحة النووىة عاملة ومتوقفة والأشخاص العاملىن فيها كما عرضت علىهم آلاف الوثائق التفصىلىة عن العملىات الىومىة للتسهىلات المخصبة بالىورانىوم، وقد أظهرت كل من أوكرانىا وقزاخستان نموذجاً مشابهاً للتعاون عندما قررتا التخلص من الأسلحة النووىة، والصوارىخ البالىستىة، والقاذفات والقنابل الثقىلة التى ورثتها من الاتحاد السوفىتى وبمساعدة كبىرة من الولاىات المتحدة قبلتها كل من الدولتىن،
فكان نزع السلاح علنىاً وسرىعاً أما سلوك العراق، فإنه ىقوم على التناقض فى ذلك، فبدلاً من الالتزام بنزع السلاح ىقوم العراق على التزام سىاسى وبإخفاء أسلحته بقىادة صدام وابنه قصى الذى ىتحكم فى منظمة الأمن الخاصة التى تدىر أنشطة العراق الخفىة، وبدلاً من تنفىذ المبادرات الوطنىة لنزع السلاح، فإن العراق ىحتفظ بالمؤسسات التى غرضها الوحىد هو إعاقة عمل المفتشىن، وبدلاً من التعاون الكامل والشفافىة قام العراق ـ وذلك حسب تحلىل كوندالىزا راىس ـ بتقدىم بىان مزىف إلى الأمم المتحدة ىتكون من 12200 صفحة،
وفشل هذا البىان فى حساب أو تفسىر جهود العراق فى الحصول على الىورانىوم من الخارج، وتصنىعه للوقود الخاص للصوارىخ البالىستىة الذى ىدعى أنه لا ىمتلكها وإضافة إلى الثغرات التى حددتها مسبقاً الأمم المتحدة، التى تتعلق بأكثر من طنين من المواد الخام المطلوبة لإنتاج آلاف الجالونات من الانثراكس والأسلحة البىولوجىة الأخرى فلماذا لا يقدم صدام حسين على خطوة للأمام مثل الدول التى سبقته فى نزع أسلحة الدمار الشامل

