2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

حين يصبح الوقت شريك الجرائم

الأحد 13 من محرم 1448 هــ
العدد 50973
ليس من السهل الاعتراض على قرار إجرائى صادر عن محكمة العدل الدولية، فالإجراءات فى القضاء الدولى محكومة بقواعد تضمن حق كل طرف فى عرض دفاعه، لكن حين تمتد هذه الإجراءات فى دعوى تتعلق باتهامات بارتكاب جريمة إبادة جماعية حتى مايو 2029، يصبح النقاش مشروعاً حول ما إذا كانت العدالة الدولية قادرة على أداء وظيفتها، أم أنها أصبحت تتحرك بإيقاع لا يناسب طبيعة الجرائم التى تنظرها.

فالجدول الزمنى الجديد الذى اعتمدته المحكمة فى الدعوى التى رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل لا يعنى تأجيل حكم كان على وشك الصدور، فالقضية مازالت فى مرحلة المرافعات الكتابية، لكن انتهاء هذه المرحلة فى مايو 2029 يعنى أن الجلسات الشفهية لن تبدأ إلا بعد ذلك، ليصبح الفصل فى القضية أقرب إلى مطلع العقد المقبل.

فى القضايا العادية قد يبدو هذا المسار طبيعياً، أما فى قضية ترتبط باتفاقية منع جريمة إبادة، فإن الزمن يصبح جزءاً من القضية، فالوقائع على الأرض لا تتوقف حتى تنتهى المذكرات القانونية، والضحايا لا يملكون رفاهية الانتظار.

تؤكد سوابق القضاء الدولى هذه المعضلة؛ فقد احتاجت المحكمة 14 عاماً للفصل فى دعوى البوسنة ضد صربيا، و16 عاماً لحسم الدعوى بين كرواتيا وصربيا، بما كشف الفجوة الكبيرة بين الزمن القضائى والزمن الذى تتحرك فيه الصراعات، كما أن تحميل جنوب إفريقيا مسئولية التأخير يتجاهل أن إسرائيل حصلت سابقاً على تمديدين لإيداع مذكرتها المضادة، قبل أن تمنح المحكمة الطرفين المدة نفسها.

وهنا تبرز المفارقة؛ فالمساواة الشكلية بين الخصوم لا تعنى عدالة حقيقية عندما تكون الوقائع على الأرض غير متكافئة، فكلما طال أمد التقاضى، استفاد الطرف المتسبب فى الإبادة من عامل الوقت فى ترسيخ جرائمه، بل ويتراجع الزخم الدولى، وتبقى قرارات المحكمة، التى تفتقر إلى أدوات تنفيذ مباشرة، رهينة حسابات مجلس الأمن.

لذلك، قد تكون الإجراءات سليمة من الناحية القانونية، لكن لن يكون الوقت أبداً عنصراً محايداً، بل سيتحول إلى غطاء قانونى يرسخ الأمر الواقع، ولهذا فإن القضية تمتحن فكرة العدالة الدولية ذاتها؛ فإذا كانت العدالة تحتاج إلى عقد كامل لكى تنطق، فلن يكون السؤال حينها عن مضمون الحكم، بل عن جدواه، وعن حجم الثمن الإنسانى الذى دُفع فى انتظار كلمة الفصل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى