ربع ألفية من المفارقات

الخميس 24 من محرم 1448 هــ
العدد 50984
ليس من السهل أن تحتفل دولة بمرور 250 عامًا على استقلالها، بينما يقف تاريخها شاهدًا على تناقضات لم تنجح فى تسويتها حتى اليوم.
فالولايات المتحدة التى ولدت من ثورة رفعت شعارات الحرية والحقوق الفردية والمساواة، هى نفسها الدولة التى أعادت تعريف هذه المبادئ بما يخدم مصالحها، حتى بدا أن الحرية لم تكن قيمة إنسانية عامة، بل امتيازًا يُمنح حين يخدم القوة ويُحجب حين يعارضها. كان إعلان الاستقلال فكرة ألهمت العالم، لكنه حمل منذ البداية مفارقة عميقة؛ فبينما تحدث عن حق البشر فى الحياة والحرية، كانت الأرض قد انتُزعت عبر إبادة السكان الأصليين وتهجيرهم، فى حين تشكلت الثروة على ظهور العبيد الذين جيء بهم قسرًا من إفريقيا، فلم يكن الخلل فى التطبيق وحده، بل فى الفجوة بين المثال المعلن والواقع الذى صنع القوة الأمريكية.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت هذه المفارقة جزءًا من السياسة الأمريكية؛ فكلما قدمت واشنطن نفسها حامية للديمقراطية، كشفت الحروب وجها آخر، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، وصولًا إلى الحرب على إيران، سبق الخطاب الأخلاقى التدخل العسكرى، بينما كانت الحصيلة دمار دول، وسقوط مئات الآلاف من الضحايا، وتفكيك مجتمعات باسم الأمن أو نشر الحرية. أما فلسطين، فتمثل التناقض الأكثر حضورًا، إذ يصعب الحديث عن حقوق الإنسان مع استمرار الدعم السياسى والعسكرى لدولة الاحتلال، رغم مشاهد القتل والتهجير والتجويع، لتصبح الحقوق قابلة للتفاوض إذا تعارضت مع المصالح. وامتد هذا التناقض إلى السلاح النووى؛ فالولايات المتحدة بقيت الدولة الوحيدة التى استخدمته ضد مدن مأهولة عندما ألقت القنبلتين على هيروشيما وناجازاكى فى أغسطس 1945، ثم بنت ترسانة قادرة على تدمير الحضارة، وأجرت مئات التجارب، ومع ذلك تقدم نفسها ضامنًا للأمن العالمى، بينما يعيش العالم تحت توازن ردع هش، ويظل خطر الزر النووى ماثلًا. ورغم ذلك، لا تُختزل الولايات المتحدة فى الإمبراطورية العسكرية؛ فقد قدمت إنجازات علمية وفكرية ودستورية، وظهرت داخلها تيارات ناهضت العنصرية والحروب وطالبت بإزالة الأسلحة النووية، وهو تناقض آخر فى ذاته. وبعد 250 عامًا، يبقى السؤال: ماذا فعلت أمريكا بهذه القوة؟ فمستقبل الولايات المتحدة مرهون بقدرتها على مصالحة تاريخها، والاعتراف بأن القوة التى لا يضبطها الضمير تتحول إلى نقيض القيم التى ادعت الدفاع عنها، ومهما تعددت المبررات، وتغيرت الإدارات، وتبدلت الشعارات، ستبقى النتائج تطرح الأسئلة ذاتها أمام العالم.
