شلل الكونجرس واحتجاجات جرينلاند

الأثنين 8 من ذي الحجة 1447 هــ
العدد 50939
أصبحت الأزمة داخل الولايات المتحدة بين الجمهوريين والديمقراطيين مؤشراً كبيراً على تصدع عميق يطول بنية القرار الأمريكى نفسها؛ إذ تبدو واشنطن اليوم أمام مشهد سياسى يكشف حجم التصدعات التى تضرب مركز القرار الأمريكى، بعدما تحولت الخلافات داخل الكونجرس من مجرد نزاعات تشريعية عابرة إلى أزمة تمس طبيعة النظام السياسى نفسه، وحدود السلطة بين البيت الأبيض والمؤسسة التشريعية، فالتأجيل المفاجئ لأعمال الكونجرس حتى يونيو المقبل، بالتزامن مع تصاعد الجدل حول الحرب مع إيران، يعكس حالة ارتباك غير مسبوقة داخل واشنطن، خصوصاً مع عجز الجمهوريين أنفسهم عن الحفاظ على تماسكهم الداخلى. الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالموازنة أو الهجرة، بل امتدت إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية فى النظام الأمريكى: حق الرئيس فى إدارة الحروب دون تفويض واضح من الكونجرس؛ فقرار القيادة الجمهورية تأجيل التصويت على مشروع يطالب بسحب القوات الأمريكية من الحرب مع إيران كشف مخاوف حقيقية من انشقاقات داخل الحزب نفسه، بعدما بدا أن عدداً من الجمهوريين باتوا مستعدين للتصويت ضد إدارة ترامب. هذا التوتر يعكس تحولاً أعمق داخل الحزب الجمهورى؛ إذ لم يعد الولاء لترامب مضموناً كما كان فى السابق، لاسيما مع تزايد الضغوط الاقتصادية، وارتفاع أسعار الوقود، لذلك بدأت أصوات جمهورية تعتبر أن استمرار العمليات العسكرية دون غطاء دستورى يهدد التوازن التقليدى بين الكونجرس والبيت الأبيض. وفى موازاة هذا الانقسام الداخلى، جاءت احتجاجات جرينلاند لتكشف أزمة أخرى تتعلق بصورة النفوذ الأمريكى خارجياً، فالمظاهرات التى رافقت افتتاح القنصلية الأمريكية الجديدة فى «نوك» لم تكن مجرد احتجاج محلى، بل رسالة سياسية تعكس تصاعد المخاوف من تمدد النفوذ الأمريكى فى الجزيرة ذات الأهمية الاستراتيجية المتزايدة. خطورة المشهد تكمن فى تزامن الأزمتين معاً؛ فواشنطن التى تواجه انقساماً داخلياً حاداً تجد نفسها أيضاً أمام تراجع نسبى فى قدرتها على فرض حضورها الخارجى دون اعتراض، وبينما تنشغل الإدارة الأمريكية بصراعات الكونجرس والاحتجاجات المتصاعدة، تتحرك قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا لملء الفراغ وإعادة تشكيل موازين النفوذ العالمى. لهذا تبدو الولايات المتحدة أمام اختبار تاريخى حقيقى: هل تستطيع استعادة تماسكها السياسى والحفاظ على موقعها القيادى، أم أن أزماتها الداخلية ستتحول تدريجياً إلى بداية مرحلة انكفاء أمريكى طويل؟
