صناعات تنطلق من باطن أرض مصر

الخميس 19 من ربيع الثاني 1448 هــ
العدد 51068
هناك خريطة لمصر لا تظهر فى الأطالس؛ هذه الخريطة تبدأ بعد أمتار قليلة من سطح الأرض، وتمتد إلى أعماق الصحراء الشرقية وسيناء، حيث تتشكل واحدة من أكثر قصص الاقتصاد المصرى أهمية. فى افتتاح النسخة الخامسة من «منتدى مصر للتعدين 2026»، المنعقد تحت شعار «إطلاق الإمكانيات الاستكشافية لمصر والدرع العربى النوبى»، بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسى ورئيس الوزراء وعدد من المسئولين وممثلى شركات التعدين والاستثمار، ظهرت ملامح تحول جديد: ثروة مصر التعدينية لم تعد مجرد خامات تُستخرج من باطن الأرض وتُطرح كمواد أولية، بل أصبحت أساسا لصناعات محلية تضيف قيمة حقيقية وتدعم الاقتصاد الوطنى. فقد تقدمت 119 شركة بـ 403 عروض لاستكشاف 118 قطاعا تمتد على نحو 45 ألف كيلومتر مربع، بينها أكثر من 14 شركة أجنبية؛ بما يكشف اتساع الاهتمام بالثروات المعدنية، ويدعم التوجه لإعادة بناء قطاع التعدين على أسس استثمارية وصناعية أكثر شمولا. المهم هنا التحول من مجرد استخراج الخام وبيعه إلى التصنيع وإقامة صناعات تقوم على موارده، بما يضاعف العائد ويوفر فرصا أرحب للعمل والاستثمار. ويأتى الفوسفات فى مقدمة هذه المجالات مع طرح 8 مشروعات، بينها مجمع حامض الفوسفوريك بأبو طرطور باستثمارات تبلغ 650 مليون دولارا وإنتاج مستهدف فى عام 2028، بما يعكس اتجاها لربط الثروة المعدنية بسلاسل إنتاج متكاملة. ومعرفة مصر بما تختزنه أرضها ليست جديدة؛ فبردية تورين، المشهورة بأنها أقدم خريطة جيولوجية وطبوغرافية فى تاريخ البشرية والتى ترجع إلى نحو عام 1160 قبل الميلاد، تقدم خريطة لمناجم الذهب فى الصحراء الشرقية، وتكشف أن التعدين جزء من خبرة مصرية ممتدة عبر آلاف السنين. لكن استثمار هذه الميزة يحتاج إلى استكمال المنظومة: من الاستكشاف والبنية الأساسية إلى المعالجة والتكرير والتصنيع، حتى لا تظل الثروة المعدنية مرتبطة بسعر الخام عالميا، فكل خطوة تُضاف داخل الاقتصاد المصرى تعنى قيمة أعلى وفرصا أوسع، وتمنح المناطق الصحراوية دورا جديدا فى خريطة التنمية. اليوم، تستعيد الثروات المصرية الموجودة تحت أرضنا موقعها الجديد فى حسابات الاقتصاد، والرهان الحقيقى أصبح يبدأ بعد استخراج الخام؛ حين تتحول الصحراء من مساحة للتنقيب إلى قاعدة للصناعة، ليصبح باطن الأرض بداية لقيمة مصرية تمتد من المنجم إلى المصنع.
