العُمَد فى مشهد إدارة الدولة

السبت 21 من ربيع الثاني 1448 هــ
العدد 51070
لفتنى فى اجتماع الرئيس السيسى بمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، أن العمد والمشايخ لم يكونوا مجرد ضيوف على اجتماع ضم الحكومة والمحافظين وقادة المؤسسات، وإنما كانوا جزءاً من صورة أوسع لطريقة إدارة الدولة. فحين يتحدث عمدة قرية إلى جوار رئيس الحكومة والمحافظين والوزراء، ويعرض تجربة قريته ومشكلاتها وحلولها، فإن الأهم ليس مجرد الاستماع، بل البحث عن أدوات تصل بها الدولة إلى الناس وتسمع منهم.
وهذه ليست مسألة رمزية، فمصر تضم نحو 4500 قرية يعيش فيها 50% من الشعب، أى أن القرية إحدى ساحات الدولة الرئيسية، وللعمدية أيضاً جذور فى تاريخ الإدارة والحياة النيابية؛ ففى مجلس شورى النواب أول مجلس برلمانى منتخب فى مصر، انتُخب الأعضاء من خلال عمد البلاد ومشايخها فى المديريات، إلى جانب أعيان المدن الكبرى، لذلك فإن الاستماع إلى العمد اليوم يعيد الاعتبار للمعلومات المحلية من مصادرها: تفاصيل القرية، مشكلاتها، وطاقاتها القادرة على حلها.
هنا يلتقى هذا الدور المحلى مع ملف الهوية الوطنية، الذى عاد إلى الواجهة فى مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة»، باعتبار الهوية قضية تتصل بوعى المواطن وانتمائه لموطنه، ولا تتشكل فى الخطاب العام وحده، وإنما تتجذر فى هذه المساحات المحلية التى يعيش فيها المواطن، ويتعلم فيها معنى الانتماء والمسئولية.
ومن هنا اكتسب حديث عمدة السرارية بسمالوط فى المنيا دلالته، فقد شكل «لجنة من المثقفين» للرد على الشائعات، ودعم الأسر الأكثر احتياجاً، وحصر الأيتام لرعايتهم، وتنظيم مسابقة لحفظ القرآن، والتصدى لزواج القاصرات، والفكرة هنا أن الشائعة لا تواجه فقط بالنفى، وإنما بمجتمع يلمس أثر عمل حقيقى، كما أن المثقف، حين يعود إلى قريته، يمكن أن يتحول إلى شريك فى بناء وعى المصريين. وعندما وصف الرئيس هذا الوعى بأنه «حائط الصد» أمام محاولات الإضرار بالدولة، استعاد تجربة 2011 إلى 2013، وكيف أفضت إلى انكماش اقتصادى قد يستغرق التعافى منه 15 عاماً، قبل صدمات جائحة كورونا والحرب الأوكرانية وحرب غزة منذ 2020، وخسارة نحو 20 مليار دولار من عوائد قناة السويس، وهنا تتجاوز الرسالة قرى ونجوعاً أو مدناً؛ فالدولة ليست مؤسساتها المركزية وحدها، وإنما كافة المجتمعات، وكلما ترسخ وعيها، زادت قدرتها على امتصاص الصدمات.
وللحديث بقية..
