2026حكاية فكرةمقالات الأهرام اليومى

نحو عمران أخضر

الأربعاء 27 من ربيع الأول 1448 هــ
العدد 51046
لم تأتِ دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى «تخضير القاهرة» بمعزل عن جهود بدأت بالفعل لزيادة الرقعة الخضراء فى مصر، بل جاءت لتمنح هذا المسار دفعة جديدة وتضعه فى قلب رؤية الدولة لشكل المدينة وجودة الحياة فيها فقد شكلت مبادرة «100 مليون شجرة» إحدى التجَارب المهمة التى يمكن البناء عليها وتطويرها، بحيث يصبح التشجير جزءا مستداما من التخطيط العمرانى والبيئي، وهنا تعمل وزارة الزراعة واستصلاح الأراضى على إنتاج وتوفير ملايين الشتلات الملائمة للبيئة المصرية لتشجير الشوارع والطرق والمحاور والميادين، مع تنويع الأشجار بين الأنواع المثمرة كـ (الزيتون والليمون والرمان والتوت)، والأنواع البيئية والخشبية كـ (الكافور والكازوارينا والأكاسيا). وهذا التنوع يتسم بأهمية بالغة؛ لأن التخضير المستدام لا ينفصل عن طبيعة المكان وموارده، فاختيار الأشجار ينبغى أن يأخذ فى الاعتبار قدرتها على تحمل الحرارة والجفاف، واحتياجاتها المائية، وطبيعة التربة،؛ حتى لا تتحول زيادة المساحات الخضراء نفسها إلى ضغط إضافى على الموارد المائية. ولذلك، فإن التخضير الناجح هو الذى يجمع بين زيادة الغطاء النباتى وترشيد استهلاك المياه، مع الاستفادة من نظم الرى الحديثة والمياه غير التقليدية حيثما أمكن.

ولا تقف الفكرة عند حدود الشوارع والميادين العامة، بل تمتد أيضاً إلى مشروعات الغابات الشجرية التى أقامتها الدولة فى عدد من المناطق، حيث تُستغل مياه الصرف الصحى المعالجة فى رى الأشجار الخشبية، وتقدم هذه المشروعات نموذجاً عملياً للاستفادة من الموارد المائية غير التقليدية فى زيادة الغطاء النباتي، فضلاً عن إنشاء أحزمة خضراء تسهم فى الحد من زحف الرمال ومواجهة الآثار البيئية للتوسع العمرانى والصناعي؛ وبذلك يتحول التشجير من نشاط بيئى منفصل إلى جزء من منظومة التنمية الشاملة. إن مبادرة «تخضير القاهرة» على وجه الخصوص يمكن أن تكون بداية لتحول أوسع فى علاقتنا بالبيئة الحضرية، فكما تعنى التنمية إقامة المشروعات الكبرى والطرق والمنشآت، فإن البيئة ليست مساحة منفصلة عن العمران، وبين الاثنين تقف الشجرة: ذلك الكائن البسيط فى شكله، والقادر مع الوقت على تغيير حرارة المكان، ونوعية الهواء، والمشهد الجمالى للمدينة، بل وإحساس الإنسان بها. فالأخضر، فى نهاية المطاف، ليس مجرد لون نضيفه إلى المدينة، بل هو جزء لا يتجزأ من مستقبلها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى