السيسى ورسائل «بريكس»

الثلاثاء 3 من ربيع الثاني 1448 هــ
العدد 51052
لم يتحدث الرئيس عبدالفتاح السيسى فى قمة «بريكس» عن الاقتصاد بمعزل عن السياسة، ولا عن التجارة بعيدًا عن الأمن؛ فمصر تنظر إلى التحولات الدولية من زاوية واحدة متماسكة: الاستقرار أساس التنمية، والتنمية ليست رفاهية تُؤجَّل.
وهنا تتجلى رؤية مصر لـ «بريكس»، إذ لا تراه مجرد تكتل اقتصادى، بل فرصة لبناء شراكات فى ملفات التجارة والطاقة والغذاء؛ ولذلك شدد الرئيس على أهمية تحويل الإمكانات إلى مشروعات وبرامج تنفيذية. ولأن موقع مصر يمنحها فرصة فريدة لترجمة رؤيتها – باعتبارها نقطة التقاء بين إفريقيا وآسيا وأوروبا، وتضم قناة السويس، فقد جاء حديث الرئيس عن التجارة والاستثمار، والربط بين القارات، وإنشاء مركز عالمى للحبوب والخدمات اللوجستية، ليعكس توجهًا لتحويل الموقع إلى قيمة مضافة، والممرات إلى جسور للتنمية. لذا أيضًا، كان ملف أمن الطاقة والملاحة جزءًا أصيلًا من الرسالة؛ إذ تربك حروب الشرق الأوسط حركة الملاحة، مما يؤثر فى الاقتصاد العالمى والتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، ويرفع كلفة الإنتاج والنقل والسلع والغذاء، بما يجعل أمن المنطقة مرتبطًا بحماية شرايين الاقتصاد والحيلولة دون تحول الصراعات إلى أزمات عابرة للحدود. واكتملت هذه الرؤية فى لقائه مع أنطونيو جوتيريش؛ فكما تدعو مصر فى «بريكس» إلى نظام أكثر توازنا واستقرارا، تتمسك فى الأمم المتحدة بتسوية سياسية تحترم القانون الدولى، ومن هنا جاء تأكيده أن الاستقرار يتطلب حلًا عادلًا وشاملًا للقضية الفلسطينية وفقًا للشرعية الدولية، بالتوازى مع وقف الحرب فى غزة وضمان تدفق المساعدات، فضلاً عن تأكيد موقف مصر الثابت تجاه السودان بضرورة الحفاظ على أمنه ووحدته وسيادته. أيضا برز البعد الاقتصادى مجددًا؛ حيث تحتاج الدول النامية إلى تمويل ميسر للطاقة والغذاء والبنية التحتية والتكنولوجيا، وتعزيز دور «بنك التنمية الجديد» وإصلاح النظام المالى الدولى لمواجهة أزمات الديون وضيق الحيز المالى. بهذا المعنى، لا تتعلق رسائل الرئيس بما تحصل عليه مصر من «بريكس» فحسب، بل بما تضيفه إليه: من جغرافيا وموانئ وممرات، وسوق ومشروعات وطاقة، وقدرة على التحرك الفاعل.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لتطلع مصر لرئاسة «بريكس» مستقبلاً، باعتباره مساحة لتحويل رؤيتها إلى عمل: شراكات تنتج، وممرات تربط، وطاقة تُؤمَّن، وغذاء يتوفر، وتمويل يتيح التنمية، وسياسة تطفئ الصراع وتحمى استقرار المنطقة.
