من المخا إلى مكة

الأحد 8 من ربيع الثاني 1448 هــ
العدد 51057
ما بين المخا ومكة مسافة كبيرة، لكنها فى الحسابات السياسية تبدو أقصر مما ينبغى؛ ففى الأولى يمسك الحوثيون بموقع يطل على أهم الممرات البحرية، وفى الثانية وصلت إحدى مسيراتهم إلى المجال المحظور حول أقدس مدن المسلمين، وبين الموقعين تتكشف حقيقة حرب لم تعد حدودها يمنية.
إن استيلاء الحوثيين على المخا، ووصولهم إلى جزيرة ميون ومواقع أخرى، منحهم ثقلاً جديداً بعدما وسعوا انتشارهم على الساحل والجزر القريبة من باب المندب، بما يتيح الضغط على الملاحة وتهديد خطوط الإمداد، والأخطر أن التهديد شمل إعلاناً باستهداف السفن السعودية، لتصبح الملاحة ورقة تفاوض بالقوة، ومساحة للتأثير فى مصالح دول تتجاوز حدود الصراع.أما المسيرة التى أعلنت الرياض اعتراضها جنوب مكة فى 16 سبتمبر، فقد حملت دلالة أخرى؛ فالحديث هنا عن مدينة لها مكانتها العظمى لدى المسلمين، وقد نفت جماعة الحوثيين استهداف مكة، لكن الواقعة، تكشف إلى أى مدى أصبح التصعيد بلا حواجز جغرافية. وهذه ليست بداية القصة؛ فمنذ سقوط صنعاء عام 2014، تراكمت أسباب انهيار الدولة اليمنية، وتحولت جماعة الحوثيين من طرف فى نزاع داخلى إلى قوة إقليمية ترتبط بإيران، وتملك الصواريخ والمسيرات وتهدد البر والبحر، وما يجرى على الساحل الغربى يؤكد أن السيطرة على الأرض جزء من بناء نفوذ يمتد من الداخل إلى البحر.
لكن المشكلة لا تكمن فى قوة الحوثيين وحدها، فالقوى المناهضة لهم تواجه امتحان توحيد القرار السياسى والعسكرى، وتحويل جبهات مأرب والجوف وتعز والساحل إلى مشروع واحد، ومن دون ذلك، يظل كل تقدم ميدانى كجزيرة معزولة، والأخطر أن فاتورة الحرب يدفعها اليمنيون؛ فقد أعلنت المنظمة الدولية للهجرة نزوح 112 ألف شخص خلال أسبوعين.لهذا، فإن استعادة اليمن لا تبدأ من سؤال من يسيطر على المخا، وإنما: متى يستعيد اليمن دولته وقراره؟ فباب المندب ممر دولى لا يصح أن يتحول إلى ورقة بيد ميليشيا، ومكة أقدس من أن تصبح جزءاً من حسابات الحرب، واليمن لا يحتمل أن يبقى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين، وبين المخا ومكة، تبدو المعركة الحقيقية هى أن يستعيد اليمن دولته، ويسترد قراره، وتعود جغرافيته لخدمة شعبه لا صراعات الآخرين.
