مولدان فى زمن الأزمات!

الخميس 14 من ربيع الأول 1448 هــ
العدد 51033
ربما لا نلتفت إلى الظروف التى أحاطت بالمناسبات الدينية، فقط نستعيدها فى صورتها المضيئة، ونستحضر ما حملته من معانٍ.
وفى هذا العام، تتقارب فى التوقيت ذكرى مولد النبى محمد صلى الله عليه وسلم، ومولد السيدة العذراء، فيلفت هذا التزامن الانتباه إلى معنى أوسع؛ فكل ميلاد كبير كان وراءه عالم مضطرب، وأزمات تبحث عن مخرج، ومن هنا يمكن قراءة المناسبتين، لا باعتبارهما متشابهتين، فلكل منهما مكانته، وإنما باعتبار أن الميلاد فى الذاكرة الدينية كثيراً ما يأتى محاطاً بلحظة إنسانية شديدة الاحتياج إلى الأمل والرجاء. فى قصة السيدة مريم، نجد امرأة مختارة تواجه امتحاناً استثنائياً، ثم تتحول قصتها إلى رمز للإيمان والصبر، وتظل سيرتها شاهداً على قوة الإنسان حين يستند إلى يقينه.
وفى مولد النبى صلى الله عليه وسلم، كان العالم العربى يعيش انقسامات اجتماعية وقبلية واختلالات شديدة فى القيم الإنسانية، ثم بدأت سيرة شريفة أعادت تشكيل العالم، وجعلت العدل والرحمة والمساواة والمسئولية أساساً لعلاقة الإنسان بالآخر. وهنا تكمن المفارقة: الأزمات لا تمنع ولادة التحولات الكبرى؛ أحياناً تكون هى التربة التى تتهيأ فيها النبتة لطرح ثمار لا يتوقعها أحد، ولعل هذا ما يمنح فكرة الميلاد معناها الأوسع؛ فهو ليس مجرد ذكرى نحتفل بها، وإنما بداية تحمل احتمالات جديدة. ولعل اجتماع المناسبتين فى الذاكرة المصرية يضيف معنى آخر؛ فمصر لا تتعامل مع ذاكرتها الدينية، باعتبارها فصولاً متجاورة دون التقاء؛ ففيها مرت العائلة المقدسة، واستقرت محبة آل البيت، وتحولت سيرتهم إلى جزء من وجدان شعبى حفظ المقدس داخل تفاصيل حياته اليومية، إذ لم يكن المصريون بحاجة إلى تطابق العقائد حتى تتجاور مشاعرهم، بل استطاعوا أن يجعلوا من تعدد رواياتهم المقدسة جزءاً من وحدة وطنهم. واليوم، فى عالم أرهقه الاستقطاب والكراهية، ومثقل بالحروب والخوف، يصبح السؤال أكبر من: كيف نحتفل؟، بل ماذا نحتاج أن يولد فينا؟ أمل فى زمن اليأس، ورحمة من قلب الخصومة، وقدرة على الاختلاف دون كراهية، وإيمان بأن الإنسان يستطيع دائماً أن يبدأ من جديد مهما اشتدت الأزمات. ربما لهذا نعود كل عام إلى المولد لنتذكر أن أزمنة صعبة شهدت بدايات غيرت وجه التاريخ، مولدان فى زمنين مختلفين، ورسالة واحدة: ماذا يمكن أن يولد من قلب الأزمة؟.
