ولهذا بقيت الثورة

الأربعاء 16 من محرم 1448 هــ
العدد 50976
اعتاد كثيرون وصف المصريين بأنهم شعب يميل إلى الاستقرار، وهى صورة ارتبطت بطبيعة المجتمع الزراعى الذى عاش قرونًا طويلة على إيقاع نهر النيل ومواسمه، لكن التاريخ يكشف أن هذا الميل لم يكن يعنى أبدًا قبول الخطر حين يهدد الدولة أو الهوية؛ فكلما وصلت الأزمات إلى نقطة تهدد وجود الوطن، كان المصريون يخرجون لتغيير مسار الأحداث.
من هنا، لا يمكن قراءة 30 يونيو باعتبارها مجرد حلقة فى الصراع على السلطة، فالثورة لم تقم لأن رئيسًا فقد شعبيته فحسب، وإنما لأن قطاعات واسعة من المصريين رأت أن الدولة بدأت تتحول من دولة وطنية تستوعب الجميع إلى مشروع يخضع لمنطق الجماعة، ويعيد تعريف مؤسساتها وهويتها وفقًا لرؤية تنظيم سياسى متطرف.
هذه النقطة تحديدًا تفسر لماذا اكتسبت 30 يونيو زخمًا استثنائيًا، فالتاريخ المصرى عرف ثورات كثيرة، من عمر مكرم إلى عرابي، ومن 1919 إلى يوليو 1952، لكنها جميعًا ارتبطت فى جوهرها بالحفاظ على الدولة أو إعادة تأسيسها، لا بهدمها، لذلك جاءت 30 يونيو امتدادًا لهذا المسار التاريخي، لا استثناءً منه، فليست كل الثورات تُقاس فقط بما تُسقطه، وإنما بما تمنع سقوطه. فبعد أن منحت أحداث يناير فرصة لإعادة بناء النظام السياسي، كشف العام الذى تلاها أن إسقاط نظام لا يعنى بالضرورة بناء دولة! ومع تصاعد الاستقطاب، وازدياد المخاوف من تغليب الولاء للتنظيم على منطق الدولة، بدأ قطاع واسع من المصريين يشعر بالخطر، وبأن هناك مسارًا هدفه تغيير طبيعة الدولة نفسها. لهذا اكتسبت الحركات الشعبية أهميتها؛ وأصبحت حملات جمع التوقيعات للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة مؤشرًا على انتقال الاعتراض من النخب إلى الشارع، وحين أغلق الإخوان المتأسلمون أبواب الاستجابة، كان الانفجار الشعبى أقرب إلى النتيجة الطبيعية منه إلى الحدث المفاجئ. بهذا المعني، لم يكن تدخل القوات المسلحة فى 30 يونيو بداية للمشهد، بل استجابة لواقع يعكس ما أعلنته من قبل بأنها لن تقف بعيدة إذا تعرضت إرادة الشعب أو أمن الدولة للخطر، ومن ثمَّ، وُضِعت خريطة طريق جديدة تم الإعلان عنها فى 3 يوليو لاستعادة الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة، إذ ارتبطت ثورة يونيو بإعادة تثبيت فكرة الدولة الوطنية، والانطلاق فى مسار جديد هدفه التنمية، وتعزيز الأمن والاستقرار، والقضاء على الإرهاب من جذوره. ولهذا بقيت الثورة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الحفاظ على الدولة هو الشرط الأول لأى مشروع للمستقبل.
